- الصفحة الرئيسية - المقالات
إلا "الحكومة" أعيت من يداويها
 

آدم علي آدم

     ربما اعتاد القراء الأعزاء أن يجدوا مني على الدوام عملية تحريف الأبيات الشعرية وإعادة صياغتها بما يتوافق مع هواي أو بما يتطابق مع الواقع المعاش،-كما أدعي- والعنوان أعلاه عزيزي القارئ ليس إلا عبارة عن عجز لبيت من الشعر العربي حيث أبدلت الكلمة الحقيقة التي أرادها الشاعر وهي (الحماقة) بكلمة أخرى وهي (الحكومة) لأن في عهد الشاعر الحماقة تساوي الحكومة أما في عهدنا فالحكومة تساوي الحماقة إذن الحكومة والحماقة وجهان لعملة واحدة، ولا أعتقد أنه إذا كان حيا-أي الشاعر- حتى يومنا هذا ينكر عليّ هذا التحريف البسيط الذي أجريته في البيت، ولا اعتقد أنتم أيضا تعترضون من أن الحكومة أعيت من يداويها، إي والله هذا ما ستلحظه في أروقتها إذا كنت من مرتاديها، وحتى ترتاد تلك الأروقة لابد لك أن تكون ضنفاريا أو مشعوذا أو من معشر المدلسين والمدلسات، أو تكون من أيها الناس-مثلي- الذين يلهثون وراء الوظيفة العامة بين مضبات البوابة رقم واحد والبوابة رقم مليون (لكن أخوكم وُظف ولا تسألوني عن الطريقة) مفتتحين كل باب بما يلزم من رشاوى وواسطات، الحكومة أعيت وما تزال تعي من يداويها في عملية ردع الفساد الإداري الذي يمارسه مسئوليها، وكيف تداويه إذا كان حاميها حراميها وبالسلاح سيحميها وطُز في الباقين (طز كلمة يرددها القذافي ولا أعرف معناها) الذين فوتوا الفرص أو لم يجدوها أصلا ،طرق متفننة في الرشوة وأساليب مبتدعة في السرقة ،ستجد في الحكومة من أختلس مبلغ كذا مليار فأخسي من الحكومة وعاد مرة أخرى يحمل باقة ورد وعبارات نفاق وتدليس يرضي بها صاحب القصر الوردي فسلطه مرة أخرى على عباد الله المساكين، وآخر حوُّل الملايين في حسابه فحوكم ثم خرج من السجن ليتمتع بثروته الطائلة التي أخذها من ضرائب سائق عربة البوس وصاحب المتجر الصغير والدراجات النارية وعامة خلق الله المساكين، والغريب وصول الرشوة إلى حدود اللامعقول حيث أكتشف أخيرا عن مرحلة جد خطيرة في دنيا الرشوة وتداولت وسائل الإعلام قصة ذلك الذي قدم للسيدة الأولى مبلغ كبير بالملايين من أجل أن تستغل كرم الحاكم بأمره في التعيينات بأن يختار أحد أقاربه في منصب وزاري !!! برافو علينا كل ده في فضاء بلاد توماي العريقة التي طورت جرثومة الرشوة إلى درجة الأنفلونزا أي أننا مصابون بأنفلونزا الرشوة !!!
    لكن لابد لنا أن نحيي سيدة البلاد التي فضحت أمر هؤلاء هذا إذا لم تكن هناك عمليات أخرى في السابق حالفها القبول والحظ ؛ وعلى كل نحييها على رد الاعتبار للمونغ الذي يهدر في مثل هكذا مناسبات بين السارقين والسارقات الخائنين والخائنات الأحياء منهم والأموات، كما نزجي تعظيم سلام إلى رئيس الجمهورية لقراره محاكمة هؤلاء المتلاعبين وتفعيل دور مراقبة الدولة لتشمل كل الوزارات والمؤسسات الحكومية ونقول له هذا لا يكفي ما لم تعين الرجل المناسب في المكان المناسب وما لم تكن هناك سياسة واضحة وخطوات جادة وقرارات صارمة تطبق على الذين يختلسون أموال الدولة أو يوظفونها في غير موضعها، خاصة وأن هناك وزارة معنية بتهذيب الأخلاق ومن المفترض تسمى وزارة الردع والمحاسبة والجرجرة بدلا من تهذيب الأخلاق لأن الذي يتربى بلا أخلاق وضمير إنساني منذ مهده لا تنفعه الجرعات اللاحقة من عملية الترميم والمعالجة المتأخرة وقطع غيار الأخلاق المستوردة

وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه

     وكل إناء بما فيه ينضح أما صغار الموظفين في المكاتب الحكومية فحدث ولا حرج أصبحت الرشوة هي المحرك الأساس لتقدم الملفات وتأخرها وهي عنوان التعامل بيننا وإذا رفضت أن تدفعها فويلك من التأخير واللف والتدوير ولا ضير في ذلك لأن رب البيت كان للدف ضارب...إذن ما شيمتنا نحن الرعايا؟؟؟ أكيد الرقص والطرب والزغاريد (لاحظوا مرة أخرى تحريف الشعر) وحدث لي أن استنكرت على احد الموظفين تعاطي الرشوة لكن بقي ملفي عنده مجندلا إلى ما شاء الله فأضررت لأن أدفع له من غير لعنات ما أراد ولا أبالي لأني من بلاد توماي فأخوكم راشي مثلي مثل الآخرين وإلا ماذا أفعل؟.
     الحكومة أعيت من يداويها حيث تزعم بأنها تنفق الأموال في طرقها غير أنها توظف الملايين بل المليارات لأولئك الذين شقوا عصا الطاعة وخرجوا عليها، ووظفت قبل ذلك المليارات في بيع الأسلحة لردعهم وقتلهم وتشتيتهم ثم المليارات الأخرى تسلمها لهم لأنهم عادوا إلى الشرعية!!!لاحظوا غباء الحماقة (أقصد الحكومة) إنسان أطارده بالسلاح ولم ألحق به فكيف جاءني طواعية واستقبله بالورود وأقبل يده؟؟ لو خُيِّرت لبطشت بهم وضربتهم بيد من حديد(اقتباس جملة اليد الحديدية من وزير الداخلية) طيب أين نصيبنا نحن الذين أصلا موجودون منذ البداية على شرعية الحكومة أو حكومة الشرعية ولم نخرج عليها ولم نرفع في وجهها حتى السلاح الأبيض ناهيك عن الراجمات والمدافع ؟ أين حقوق الموظفين الصغار الذين ظل راتبهم ثابت قانون مع زيادة الاستهلاك ومتطلبات الحياة اليومية وغلاء المعيشة؟ أليس جدير بالحكومة أن تزيد لهؤلاء راتبهم وتحسن ظروفهم المعيشية من أن تدفع الأموال لمتمردي الأمس حلفاء اليوم ، ثم لماذا الإجراءات الإدارية الطويلة والمعقدة والعالم يتسابق مع الزمن واستفاد من التكنولوجية وربط التعاملات الإدارية بشبكات الكمبيوتر ،ادخل في بعض المكاتب الحكومية وأنت تريد توقيع أحد المسئولين وأنك لم تدفع رشوة للسكرتير !!ستدري عندها ماهية الحكومة وتستشعر الفوضى الإدارية التي حلت بإدارات الدولة، الحماقة(الحكومة) هي التي أرادت ذلك والحماقة هي التي تعين الرجال من منطلق الولاء الحزبي ، والحماقة هي التي جعلت من أنجمينا عاصمة الظلام وإلا كيف بشركة(stee) تتحدى دولة كاملة وتستمر في التقهقر إلى الوراء لا ماء ولا كهرباء بصورة جيدة ؟ والحديث عن مواضع حماقاتها لا تتسع لها هذه الصفحة أو قل الجريدة بأسرها إذن نستطيع القول بأن: لكل داء دواء يستطب به إلا الحكومة أعيت من يداويها.

 
  
جميع الحقوق محفوظة 2008