شاء الله بأن أسكن
بالقرب من إحدى المدارس الثانوية الخاصة أي الأهلية وكدأبي
خرجت ذات يوم ذاهبا إلى حيث لا أدري فأردت أن استقل عربة
التاكسي التي غالبا ما أضيع في انتظارها قرابة نصف ساعة غير
محسوبة وخلال فترة وقوفي هذه لاحظت شابين في مقتبل العمر تبدو
عليهما آثار المراهقة يتجاذبان الحديث على شيء يهمهما شديد على
ما يبدو ولمحت على أحدهما التكلف في إظهار أناقته والمبالغة
حتى في تبختره فشغلت نفسي بمتابعتهما من باب التسلية لا عدم
شغله –أرجوكم- وتبين لي من خلال حديثهما أن صاحب الأناقة
والوجاهة المعارة هذه يدعى عبديل ،لمحت من حركات هذا الأخير أن
هناك عملية ما يريدان تنفيذها ،عرفت ذلك من خلال استعراضهما
وطوافهما أكثر من عشرة مرات على الأقل في خلال ربع ساعة بهرم
الثانوية دون تعب أو فتور، وبعد فترة ظهرت على الطرف الآخر من
مبنى الثانوية فتاة في عقدها الثاني تدرس في نفس المؤسسة حسب
لون الزي الذي على جسمها-لا أقول ترتديه- وهنا عرفت نوع
العملية التي بيّت لها الشابان،حيث ودع أحدهما الآخر بقوله
(بون شانز عبديل) ورد عبديل (ميرسي بيتي) وهنا أعلنت في نفسي
التطوع لتغطية القصة وتركت التاكسي، وما إن اقتربت الفتاة حتى
تصبب عبديل عرقا وبدأ يلف ويدور كأنه مجنون ليلى واقتربت
الفتاة أكثر وأنا أترصد الأحداث فإذا بيدها دفاتر وشنطة يد على
ما أظن وترتدي -لا أدري بالضبط- لكن تظهر عليها قطعتان من قماش
شفاف يلفانها ويبدوان من الضيق كأنها خلقت بداخلهما وبدا وجهها
كأنه لوحة إعلانات فيه أكثر من سبعة ألوان غير متناسقة من شدة
الماكياج في شكل أشبه بمهرجان تنكر ولا ترى فيها شيء من
الأنوثة اللهم إلا بعض الملامح التي تدل على إنه هنا كانت فتاة
يوما من الأيام الماضية وتطايرت منها روائح مختلفة على طول
وعرض الطريق عكرت أجواء المارة، هذا الوصف باختصار شديد ودون
مبالغة-ياجماعة- ،أما صاحبنا عبديل فحدث ولا حرج يبدو كأنه
طاووس تكبرا يرتدي بنطال جينز أطول منه بحوالي متر وفيه أكثر
من عشرين جيب أو رقعة -لا أدري- وحوالي خمسة ألوان متنافرة
وحلق رأسه بطريقة كأنه وحيد القرن وأمسك سيجارة بيده اليمنى
إذا شفتها يتعالى الدخان من رأسه في صورة أشبه بقطارات القرن
الثامن عشر أو حريق غابات الأمازون من شدة تعالي الدخان ،أما
قميصه فأعتقد جازما بأنه يتبع لأخيه الرضيع من شدة صغر حجمه
ويربط في يده ساعة وحوالي ثلاثة أشياء أخرى لا أعرفها ويشده في
وسطه حزام يزن ثلاثة كيلوجرام تقريبا ،هذا باختصار شديد شكل
عبديل العاشق الحيران،وبعد أن اقتربت معشوقته هذه من نقطة حذره
أي مكان وقوفه أو اعتكافه هذا قام صاحبنا وأدخل يده في جيبه
الخلفي الأيمن ويعكس كأنه مصاب في إحدى ساقيه واعترض طريق
فريسته وتمتم بكلمات لم أسمع منها شيء نظرا لبعد المسافة وردت
هي الأخرى ببعض الكلمات وتبعها من الخلف بهتافات أغلب الظن
كلها كذب ونفاق وقلة أدب لأنه لا يمكن على الإطلاق –طبعا- أن
يحدثها عن بر الوالدين أو العفة بهكذا حال، لكنها تابعت طريقها
دون الالتفات من باب التعزز والزوم المزوران حتى نهاية الشارع
وهنا توقفت ربما لتصغي إليه وتبادلا الحديث وبعد هنيهة من
الزمن تفرقا لكن لا أدري ماذا دار من حديث بينهما.
في حياة الجاهلية
كانت العفة هي السمة السائدة في المجتمع حينما تقرأ قول عنترة
حيث قال: وأغض طرفي ما بدت لي جارتي* حتى يواري جارتي مأواها
،واعتقد جازما أن عنترة هذا لو بعث اليوم مع الموضات والسفور
والتبرج والتصنع وقلة الأدب وعدم الأدب وو....الخ ما عليه إلا
أن يسير على ما قاله شوقي في عشق وعشاق اليوم حين قال: نظرة
فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء ،وكان يجدر بشوقي أن يتم
البيت ليصبح :نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء فنفاق
فاعتناق ففراق. بعد أن ذهب الحياء والشرف والأخلاق وكل فضيلة.
الذي أريد قوله بعد قصة
عبديل هذه أن اليوم مشكلة المعاكسات والعلاقات المحرمة هذه نحن
من يمهد لها ويصنعها ويشجع عليها لأن الحشمة في اللباس أصبحت
سلعة نادرة في المؤسسات التعليمية والسوق والشارع و...، لا
نريد الحديث في هذا المقام عن التربية فهذا شأن آخر بل نريد
شيء آخر يكبح جماح الشهوات العارمة التي يعاني منها الشباب
ونحن نعرف أن كل المصائب تبدأ من النظر ،لكن إذا كانت الفتاة
محتشمة ومتسترة بلباس لائق ناهيك عن الحجاب الشرعي يعني ذلك
يقلل من تعرضها للوقوع في شراك المتربصين بها شرا وهناك معادلة
في غاية الروعة أوردها أحد الدعاة بإحدى القنوات الفضائية
مفادها أن الإنسان إذا حبس داخل غرفة دون أن يسمع يوما بالأكل
والشرب فإنه يطلب الأكل قبل أن يحدثه أحد بوجود شيء يسمى أكل
والسبب هو أن المؤثر الذي يحركه داخلي أما إذا حبس ولم يسمع
يوما عن النساء والشهوة أو يراهن ولم يحدثه أحد بهن فإنه لا
يطلب النساء ولا يسأل عنهن لأن المؤثر هنا خارجي ،ولم يرى شيء
يحرك فيه غريزة الشهوة ،إذن المعاناة التي يعانيها الشباب في
مسألة الشهوة خارجية يمكن تفاديها إذا احتشمت الفتاة ،ولاحظوا
اليوم ما ترتدينه بناتنا وأخواتنا في الشارع من أزياء وألبسة
تحرك الغرائز وتستفز المشاعر أما الشباب فجرعات التربية عدمت
في المؤسسة التعليمية والبيت فأسسوا أوكار الخراب والمعاكسات
في الشوارع وجعلوها مقرات تجمع العشاق والمشاكسين لكل من رفضت
الحشمة والوقار من الفتيات.