|
القبلية
من أخطر الآفات الاجتماعية التي يعاني منها مجتمعنا التشادي ،
كغيره من المجتمعات الإفريقية والعربية ، والغريب أن كل تشادي
حين يتحدث عن مشاكلنا الاجتماعية ، وعن معوقات الوحدة الوطنية
، يبدأ حديثه بالشكوى من القبلية ، وضرورة القضاء عليها ..
ولكن المفارقة أن هذا المتحدث بذاته قد يجد نفسه متورطا أو
متهما بممارسة القبلية بشكل من الأشكال!! فما هو السبب في هذا
التناقض العجيب؟!
في رأيي المتواضع أرى أن هناك فجوة عميقة تفصل بين الواقع
والمثال في تناولنا لمشاكل حياتنا اليومية ، وكيفية معالجتها
.. فحين نتحدث عن المشاكل الاجتماعية، وخاصة القبلية، في
الإطار النظري، سواء في محاضرة أو ندوة أو على صفحات الجرائد
ووسائل الإعلام ، نحلق في أجواء المثالية المفرطة إلى درجة
الغلو المتطرف، فنشجب ونستنكر وندين كل مظهر من مظاهر الانتماء
للقبيلة، دون تمييز بين الانتماء المشروع والتعصب المذموم،
ودون وضع الخطوات العملية للتخلص من أمراض التعصب المذموم نفسه
، وحين يعود الواحد منا إلى أرض الواقع العملي، يقع في صراع
نفسي عميق، حين يجد نفسه مرتبطا بمعادلات اجتماعية بوصفه فردا
من أفراد قبيلة ما ، وهو ما يفرض عليه قدرا من الواجبات يساوي
ما يتمتع به من حقوق اجتماعية يجدها في ظل الانتماء لهذه
القبيلة أو تلك ، فهو إما أن يتخلى عن قبيلته تماما فيفقد كل
ما تمنحه إياه من حقوق والتزامات ، وإما أن يوثق ارتباطه بها ،
ولو كان على حساب المبادئ السامية التي كان ينادي بها قبل
قليل في المناسبات العامة التي تجمعه بالآخرين.
فيقع الإنسان التشادي المحب للإصلاح الاجتماعي بين نارين ، أو
يختار بين أمرين ، أحلاهما مر: إما الرضا بالواقع السلبي الذي
يراه ، مع ما يعانيه داخليا من تأنيب الضمير ، وإما الانعزال
والتخلي تماما عن كل ما يربطه بقبيلته، وبالتالي يكون قد فقد
مكانته وسمعته بين المجتمع الذي يريد إصلاحه..
ولكي نعالج قضية القبيلة في مجتمعنا التشادي بأكثريته المسلمة
، لا بد لنا أن نعود إلى المصادر الصافية لإسلامنا الحنيف
لنتعرف على كيفية المعالجة التي وضعها الإسلام للتخلص من آفات
التعصب القبلي .
فإذا تأملنا الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة في الجزيرة
العربية عند ظهور الإسلام ، نجد أنها كانت قائمة على النظام
القبلي الذي كان ركيزة أساسية من ركائز البناء الاجتماعي للأمة
العربية، محتويا على كثير من السلبيات ، ولكنه أيضا لم يخل من
بعض الجوانب الإيجابية.
فلما جاء الإسلام لم يسع إلى إلغاء هذا النظام الاجتماعي إلغاء
كاملا بخيره وشره، وإنما هذبه وأعاد صياغته وفق القواعد
والمبادئ الإسلامية الحميدة، فعمد إلى تنمية ما فيه من مكارم
وأخلاق سليمة، تساهم في تقوية تلاحم المجتمع المسلم، مثل صلة
الرحم والإحسان إلى الأقارب، والتعاون في القضايا الاجتماعية
المختلفة داخل إطار الأسرة أو العشيرة، وفي نفس الوقت جرد
الإسلام التنظيمات القبلية من مفاهيمها السلبية التي تتناقض مع
أسس بناء المجتمع المترابط السليم ، كالحمية الجاهلية ،
والتعصب الممقوت، والتطاول على الآخرين، والبغي ، والقتال تحت
راية القبيلة دون وجه حق ، وغير ذلك .
فتحول هذا النظام القبلي بعد تهذيب الإسلام له من عامل ضعف
وفرقة إلى عامل قوة وتلاحم، دون أن يؤدي إقرار هذا النظام إلى
تصادم مع الأصول والمبادئ الأساسية التي قامت عليها الدعوة
الإسلامية، والهادفة إلى بناء المجتمع الكامل المترابط، وتذويب
الفوارق الاجتماعية والكيانات الصغيرة .
وبذلك جمع الإسلام بين النظرة الواقعية في التعامل مع انتماء
الإنسان المسلم إلى قبيلة معينة باعتبار أنه (غير مقطوع من
شجرة) -كما يقول مثلنا التشادي - وفي الوقت نفسه ارتفع بهذا
الواقع إلى مرتبة من المثال والسمو الإنساني الذي لم تنعم
البشرية بأحسن منه ، حين أزال نعرة التعصب القبلي، والتفاخر
بالأنساب، ووضع المعيار الحقيقي للتفاضل والتفاوت بين البشر ،
وهو التقوى والأعمال الصالحة، فلا فضل لعربي على عجمي ولا
لعجمي على عربي إلا بالتقوى
)
إن أكرمكم عند الله أتقاكم
(
.
أما كيف نستفيد من هذه التجربة الرائدة في المجتمع الإسلامي
الأول ، ونطبقها في واقعنا الاجتماعي التشادي ؟ وهل للانتماء
للقبيلة في تشاد إيجابيات أم كله سلبيات فقط ؟ فهذا ما سنحاول
الإجابة عليه في المقال القادم إن شاء الله .. فإلى لقاء . |