- الصفحة الرئيسية - المقالات
أغلبنا سيخسر المليون
 

آدم علي آدم

     في العدد الماضي رقم(55) كتب أستاذي حامد عبد الله أحمد في عموده الثابت قشور الحديث الذي هو في الحقيقة لب الحديث كلاما طيبا أكثر من المليون ،ولقد قرأت المقال أكثر من ثلاثة مرات من شدة إعجابي به من ناحية ومحاولة مني ربما لتغيير قناعاتي التي أؤمن بها من ناحية أخرى ،وتطرق فيه الأستاذ حامد لطرح الأسئلة التي تدور في ذهني منذ زمن طويل منها مسألة الهوية، لأني لا أجد يا أستاذي شيئا من مفردات الوطنية والمواطنة التي تجمعنا وتربطنا  في إطار واحد وكشعب واحد له ماض واحد على الرغم من أن أغلبنا نجتمع على موروث ثقافي أو حضاري شبه موحد يتمثل في الثقافة الإسلامية ،كنت أؤمن بأننا جمعتنا الصدفة في بؤتقة واحدة وفي منطقة واحدة وملتقى واحد يقال له تشاد أقول جمعتنا الصدفة لأننا ليس لنا حس المواطنة المثالية أو المعقولة حتى والغيرة على الوطن الذي نعيش فيه هذا من جهة وأن البلاد لم تشهد أو تعرف حتى اليوم رئيسا بمعنى الكلمة مثلما لكل الدول الحقيقية من جهة أخرى، بلاد عبث الاستعمار بمبادئها ومفردات مكوناتها المتمثلة في الممالك الإسلامية القائمة منذ حقب تاريخية بعيدة وصنع من فتاتها بقعة تسمى تشاد ،لم تقوم هذه البلاد وتنال استقلالها بالدم وعلى بطولة النضال والقتال والمجد ولم يتابع الشعب نضال ومقاومة بعض الملوك والسلاطين والعلماء الذين قاتلوا وقتلوا مثل مقاومة دود مرة ومذبحة الكبكب والحركة السنوسية في الشمال وغيرهما... إنما تقاعس الشعب عن القتال والنضال فطبخ المستعمر شيئا ما يسمى الاستقلال بغير إرادة الشعب وإنما بإرادته هو ولم يتوانى في وضع دستورها وعلمها وسياستها أيضا وفرض نفسه وصيا عليها ،بلادنا يا أستاذي منذ أن منحت الاستقلال الشكلي وحتى اليوم تحكمها عصابات بتفويض من القبيلة ومباركة جهات خارجية على مقاييس يضعها المستعمر وبقانون الغاب البقاء فيها للأقوى "إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب" والقوي بالسلاح والنفوذ القبلي والعسكري ،والاقتصاد بالسرقة والسرقة بالقتل والضرب بيد من حديد ،والولاء هنا في بلادي يا أستاذ  للقبيلة أولا والإقليم ثانيا ولغلاب المهول ومن يسكن القصر الوردي بالتظاهر الخارجي ،كل الذين يحيطون بالحكام فيها من اللصوص والمنافقين الذين يتعاملون مع الحاكم معاملتهم للجنازة حملا ثقيلا على أكتافهم يتمنون نهايته والتخلص منه ولو في الجحيم –وهو كذلك- ليستقبلوا جنازة أخرى ويجددوا معها السيناريو ، لأنه لا يوجد لديهم أي وازع يمنعهم ولا قانون يردعهم من العبث بالقضايا المصيرية ،ولا وطنية تدفعهم لخدمة بني جلدتهم ،ولا إنسانية تجعلهم يقدرون كرامة الإنسان ويحترمونه، فماذا ننتظر من هؤلاء؟.

القبر أطيب من فؤاد منافق*خدع النفوس بظاهر براق

       في هذه البلاد يا أستاذ لا توجد مفردات وعناصر تكوِّن وتزرع الوطنية في نفس الفرد ،ظللت أبحث عن مصادر الوطنية في كل مكان فباع بحثي بالفشل بحثت عنها في المقررات المدرسية فوجدتها تمجد النيل وتذكرهم بالنهر الصناعي ومكانة الأهرامات وفي الطرف الآخر تعلم المقررات أطفال البراءة التحرش والاختلاط ابتداءً من الغلاف الخارجي بـ"مريم وحامدو" و"محمدو وبنيتا" ليس لما يسمى تشاد وحبها نصيب في كل شيء مقرر للدراسة ،ثم بحثت عنها في جلسات السمر عند العجائز فوجدت الغول مسيطر على أجندة الجلسات ،وفي سمر الكبار والعامة وجدت القيل والقال وإن فلحوا فالأندية الكروية الأوربية وانتقال اللاعبين هي محاور الحديث وهكذا دواليك... لم أكن يوما أتردد في كوني إذا وجدت فرصة إلى الخارج سوف أعيش هناك وإلى الأبد لأننا  نحن أبناء توماي ننصهر ونميع بسرعة فائقة مع كل الشعوب التي نذهب إليها ونحتك بها وهذه دلالة واضحة على حشاشة هويتنا أو ضعف ثقافتنا ،فالذي يعيش في فرنسا مثلا يمجدها ويتحدث بلسانها ويسير على خطى مثقفيها وثقافتها ويدافع عنها والذي يعيش في السودان كذلك والذي يذهب إلى نيكاراغوا أيضا وهكذا...فبماذا ترجو منا أن نبني وطنا بهكذا حال؟ نحن في بلاد من لا يحترم القانون هو الذي يعيش والذي يقف عند إشارة المرور هو المتخلف وإذا لم تكن لك واسطة قوية أو تدفع مبالغ طائلة سوف لن تحظى بالتوظيف، بلاد مهام الشرطي والعسكر والجندارم وحرس الرحل والغابات وشرطة البلدية فيها إهانة المواطن وتركيعه وإذلاله بوصفه شعبي وهم الحكومة ، بلاد لا يُحترم فيها العقل والعلم وصدق الأستاذ والشاعر عيسى عبد الله حين قال في عجز بيت إحدى قصائده.....وشعب كريم وحظ بخيل، ونعتذر له ولكل مفكر وذا عقل منير نيابة عن الآخرين بأننا في هذه البلاد لا نقدر العقل والعلم والعلماء وإنما نبجل فيها السارق والمحتال والضنفاري والدرمامي والمشعوذ ونعتبر هؤلاء هم العلماء أصحاب المعالي والأسرار المقدسة...، نحن يا سيدي في هذه البلاد نعيش في عالمين منفصلين تماما اندماجهما محدود وتواصلهما محدود عالم الضاد وعالم ديغول والعالم الأول حظه التهميش والظلم على الرغم من جذوره الضاربة في عمق التاريخ ،وبالرغم من أن الدستور كفل له المساواة والحقوق ،أما العالم الآخر فهو المسيطر في كل شيء والعارف بكل شيء  رغم الخواء الظاهر في أكثر ميادينهم والمتعشعش في عقول بعضهم لأنهم أحفاد المستعمر وأذياله وإرادة المستعمر هي الأقوى وساعدهم في ذلك حشاشة العقلية وسطحية الأفكار ومبدأ الاستسلام من قبل بعض المنتسبين لهذه البلاد المحسوبين علينا ، بلاد عاث فيها الاستعمار فسادا في الماضي وأراد لها أن تعيش في دياجير الظلام والشقاء في الحاضر وربما المستقبل أيضا عبر أبواقه من بني جلدتنا الذين كان المستعمر أرحم لنا من مستعمر المستعمر وصدق من قال:

أشكوا على الله من علق يعيش على جراحي

من جلدتي لكن أشــد علي من طــعن الرماح

    في هذه البلاد يُطرد السارق من حكومة الكنتونات طردا نهائيا لكن عبر الشباك ليعود مرة أخرى بالباب معززا مكرما، والذي لا يعرف السرقة لا يعيش فيها ،والبرلمان فيها عبارة عن  بر الأمان للآمر الناهي صاحب القصر الوردي بعضهم يمجد ويؤيد بطريقة أوتوماتيكية مشاريع صاحب الفخامة دون دراسة أو تبيُّن وآخر جاعلا من قبة البرلمان مظلة نوم وأنس كما في قول الشاعر محمد عمر الفال:

إن جئت توقظه للاجتماع أبى*وقال:لم أدر ماذا ناقــشوا بدءا

وإن تربع عرش البرلمان ترى*في رأيه خللا، يهذي به طرءا

وإن تمدد في كرسي النقاش غفا*نام نومة مجــنون رأى برءا

 وقلة هم من يصوتون في إجازة مشاريع لصالح الشعب وبشكل عام هو مجرد تحصيل حاصل ليس إلا، و مفعولية البرلمان ليست أكثر من مفعولية المغني المقلد والمطبل والسارق الذي يغني بالمك نمر وجمال الخرطوم في أنجمينا وأشبه بالأحزاب الكرتونية التي تحاكي الحاكم ،وأنشأت من أجل لقمة العيش وإرضاء الحاكم وإظهار الوجه المزيف للديمقراطية المزعومة ،بلد الرشوة هي عنوانها في التعامل الإداري حتى صارت في مذيلة الدول الأكثر فسادا في العالم، هذه البلاد البترولية ربما استفادت إلا من بقايا البترول فقط في رصف الطرق أما الطاقة فلا سبيل إليها بل ستبقى أنجمينا عاصمة الظلام إلى ما شاء الله ويبقى التعليم مشلولا كذلك أما الصحة فحكرا لذوي الجاه والمال والسلطان وعليكم معشر المساكين بالتوجه إلى الكمرون وغيرها إلى أن يقدر الله أمرا كان مفعولا.

  لست متشائما بهذا القول وإنما هذا هو الواقع المعاش، وإذا لم تثبت المبادئ الطيبة ولم تصدق النوايا ولم تتغير هذه الطريقة ولم يتحسن الأداء يا أستاذ ستستقيم البلاد ويستقيم العباد لكن يوم الخميس الذي يسبق جمعة يوم القيامة إن شاء الله.

  
جميع الحقوق محفوظة 2008