- الصفحة الرئيسية - المقالات
عامٌ على أحداث فبراير
 

آدم علي آدم

      بعد غيبة طويلة على صفحات الأيام نلتقي مرة أخرى عزيزي القارئ وبمناسبة الذكرى السنوية على فاجعة مطلع فبراير 2008م وليس مجال الحديث هنا عن مدى أضرارها بل عن مدى الاستفادة من تلك الأحداث التي صمد أمامها صاحب القصر الوردي بطريقة غير متوقعة، وقد كشفت تلك الأحداث النقاب عن حقائق  كثيرة جدا، وقبل الأحداث بيوم تقريبا طوقت المعارضة المسلحة العاصمة من البوابة الشمالية ولم يكن من المنطق عندي وقتها أن أقارن بين قوات حكومية منظمة تابعة للدولة وبين قوات المعارضة التي يقال أنها فقط ثلاثمائة سيارة وظننت أن هؤلاء جاؤوا لمقبرتهم الجماعية في لاماجي لأن المعركة في ذاك الاتجاه لكن الذي حدث أنهم استطاعوا دخول العاصمة بعد هزيمة الحكومة أو حكومة الهزيمة ليجدوا الهتافات من الشعب الذي اعتاد التصفيق لكل قادم جديد واحتفل المحتفلون يومها وهرب الهاربون وأصبحت العاصمة خلال يومين فقط يحكمها قانون الغاب لندرك بأننا لا نستطيع البقاء حتى لساعات من دون رئيس بخلاف دولة المؤسسات مثل لبنان الذي بقي قرابة ثلاثة أشهر دون رئيس ومع ذلك صارت الحياة عندهم عادية غير متأثرة بفراغ الكرسي الرئاسي، والذي أريد قوله جراء تلك الأحداث أن الشعب في ذاك اليوم تورط في عملية خديعة من تلك القوة المشاغبة التي جاءت من الشرق لكن أعطوه درسا على الأقل بأن يفكر قليلا قبل أن يبدي تعاطفا ومناصرة لكل من هب ودب ورفع شعارات الخلاص ولافتات العدل على الرغم من أنه-أي الشعب- لا يفهم المعادلة السياسية في الأحداث، كنا متمنيين أن تخرج الحكومة أيضا بدرس أكثر استفادة جراء التأييد الأعمى الذي أبداه الشعب للمعارضة وعملية النهب الانتقامي التي قام بها هاتان الفعلتان كفيلتان بأن تجعل من الحكومة تراجع ملفاتها بحيث تعمل على العدالة الاجتماعية وتفهيم المواطن على ضرورة الحفاظ على ممتلكات الدولة وتسديد النواقص في سياستها الداخلية خصوصا قضية وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وبناء الدولة المؤسساتية لكن هذا ما لم يحدث. فقط طالت أيادي الحكومة -بحجة العشوائية- كثير من المنازل السكنية من دون أقل تعويض للمتضررين ثم توالت القرارات والصعوبات التي ضيقت الخناق على المواطن في ظل ولاية يقال عنها اجتماعية لرئيس الجمهورية والحقيقة أنها خلقت أزمة حقيقية البعض يفسرها بأنها من تبعات أحداث فبراير الماضي لكن تجدر الإشارة إلى أن الحكومة استفادت إيجابيا من الأحداث ببناء الأرض لا الإنسان وبقي الأخير في غليان داخلي أمام خذلان الثورة وصرامة الحكومة وغلاء العيش وليس من المستبعد أن يصفق ويهتف مرة أخرى لمن يأتي بشعار الخلاص من الظلم، ثم أن الحكومة تعلمت من تلك الأحداث بناء ترسانتها العسكرية وإغداق أموال البترول في شراء الأسلحة والآليات الحربية تأكيداَ على أن الحروب لم تنتهي بعد وشاهدنا يوم الاحتفال بذكرى بلوغها سن الرشد18 سنة- عيد الأول من ديسمبر الماضي- مدى التسلح الذي تدججت به في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية، ومع ذلك اعتقد أن المسألة ليست في السلاح لأننا لم نشك يوما بأن المعارضين أقوى تسلحا من الدولة بل المشكلة في بناء جيش وطني مستقل، لا مليشيات توالي وتعادي من أجل القبيلة لا الوطن ولا تفهم من مهمتها إلا إعلاء شأن أبناء القبيلة واضطهاد غيرهم، حسب ما أرى أن القضية فيما سبق كانت فيها بوادر حوارية مؤدية للحلول المنطقية التي تجنبنا الحرب عن طريق المفاوضات لكن المؤسف أن لغة الحوار هذه توقفت ولم نعد نسمع عنها شيء إلا في خطابات التطبيل التي تنعت سياسة صاحب القصر الوردي بسياسة اليد الممدودة، يجب ألا ننكر أن قضيتنا هي وليدة مشكلة دار الفور ونسمع عن مفاوضات السودان مع معارضيها في دار فور فلماذا لن نتفاوض نحن أيضا مع معارضينا بسياسة النفس الطويل؟ فربما ننجح في تسوية قضايانا قبل السودان، ثم أن عملية المصالحة بين الحكومتين التشادية والسودانية لا يمكن أن تجرى دون مفاوضات بينهما تقضي بحل المشكل من جذوره لا عبر لقاءات عرضية لزعماء الدولتين يجمعها زعيم دولة أخرى يعزز بهما مكانته السياسية  تتصافح في اللقاء أيديهما وقلوبهما مبيتة نية العداء والكراهية للآخر، كما تبقى الإشارة إلى أننا إذا لم نترك الحسابات والموازين القبلية والعرقية لا يمكن أن نتمتع بدولة عدالة وقانون.

      منذ أن تفجرت أزمة دار فور التي تحركها أيادي خارجية تتهم السودان تشاد بالمقابل ترد تشاد بنفس الاتهامات للسودان في إيواء ودعم المعارضة المسلحة وتوترت العلاقات ووقعت اتفاقيات هشة عديدة بينهما بشأن المصالحة وتنتهك في كل مرة قبل أن يجف الحبر الذي كتبت به ثم يتهم كل واحد الطرف الآخر باختراقها والسيناريو يتكرر، واعتقد أن كلا الطرفين من المعارضة في دارفور وتشاد يخوضان حروبا بالوكالة وأن كلا الدولتين تخدمان أهداف دول كبرى بالوكالة والضحايا طبعا الشعبين المغلوب على أمرهما فيما يدور من أحداث، فينبغي التعقل ومعرفة العدو الحقيقي للجميع ولا يمكن أن تحل القضية بعدم التعاون بين البلدين لأن المسألة لها أبعاد تتعلق بالتركيبة العرقية والقبلية بين حدود البلدين الممتدة لأكثر من 1500كلم.

  
جميع الحقوق محفوظة 2008