الأغاني في البادية العربية التشادية ودلالاتها
الاجتماعية
احمد عبدالرحمن اسماعيل
البادية العربية ينبوع الثقافة العربية في
تشاد، ما زال اغلب العرب في تشادـ وحتى هذا اليوم ـ يعيشون
حياة البداوة ويعشقون الترحال ، ويجعلونه رمزا للعزة والتحرر،
ولهم في إشعار وأمثال كثيرة يقولون " المسار عز العرب" وقد فخر
شعراؤهم كثيرا بالترحال .
جاء العرب إلى هذه الديار حاملين معهم لغتهم وثقافتهم ، وخلال
عبورهم البقاع الشاسعة ومعايشتهم لأمم مختلفة ، لثرت لغتهم
وتأثرت وأخذت بعض الكلمات والعبارات معان جديدة بحكم التطور
والتأقلم مع الحياة الجديدة. بحكم التطور الهائل في حياتهم
الاجتماعية بشتى أنواعها .
ما زال دوي الرعد وعقائق البرق ونسيم الدعاش يستدعي العربي
ويحرك فيه انفعالاته فيهتز لذلك . يترك دياره اليوم ليبكيها
غدا طللا .وما وال يعشق مداعبة الصيد بفرسه. كل تلك المواقف
تبدو عنده موقف جليلة لا يمكن نسيانها فيهرع لتخليدها بالشعر
والغناء والقصص الأسطورية.
"والشعر الشعبي واحد من الأجناس الفلكلورية الذي يندرج تحتها
قائمة الأدب الشفهي وهكذا فانه يتميز بالمحلية من حيث اللغة
العامية التي ينظم بها ومن حيث مضامينه وتعابيره ووصفه الذي
يكون من البيئة المحلية.
ويتميز الشعر الشعبي بالذيوع والانتشار وتلعب هذه الميزة على
شخصية الفرد الذي أبدع الشعر نفسه فتكون القصيدة أو المقطوعة
أو النتفة في بعض الأحيان منسوبة لصاحبها المبدع ولكنها تنتقل
في أوساط الجماعة فتحمل همومها وآلامها لتخرج من ذاتيته إلى
ذات الجماعة إثناء انتقالها بالحذف أو الإضافة أو التحوير.
والشعر الشعبي نوعان : نوع يمتاز بالطول شانه في ذلك شان
القصائد العربية الطويلة ، وهذا غالبا ما يكون صاحبه معروفا ،
لأنه يظهر في الأندية فيقوله وينتشر بين الناس حاملا اسمه
كأمثال الشعراء المعروفين في تشاد ، أمثال مختار ولد السبيل،
وولد الفضيل، وعلي الجدع وفاطمة الحميراء وحبسا الجالة وغيرهم.
فهؤلاء شعرهم شائع بين الناس باسمهم .النوع الآخر المقطوعات أو
النتف فهذه غالبا ما يقولها صاحبها ولكن سرعان ما يختفي القائل
وتبقى النتفة في أفواه الناس من المجهولات. وهذا يكثر في
ألاغاني التي تسوقها النساء.
وجاءت هذه الورقة لتختار هذا النوع من الشعر المغنى لدراسته ،
هادفة الوقوف على مراميه ودلالالته اللغوية والاجتماعية. فكانت
بعنوان:
"ألاغاني في البادية العربية التشادية ـ الدلالات اللغوية
والاجتماعية".
الأغنية البدوية
تحتل الأغنية حيزاً كبيراً في البيئة البدوية التشادية وتنتشر
على الأفواه بشتى أنواعها، فنجدها عند الأطفال كما نجدها عند
الشيوخ، والفتيان والفتيات، ولا يرى الرجل فيهم بأسا أن تصبح
ابنته مغنية (حكامة) وابنه شاعر (بوجاني). فالأغنية تؤدي دوراً
اجتماعياً كبيراً في المجتمع البدوي، فالمرء في المجتمع البدوي
يتخلق بالأخلاق الكريمة، والقيم النبيلة، وكثيراً ما يخافون من
نقد الأغنية، فالجزء الكبير منها مكثرة لهذا الجانب الأخلاق،
فالجبان والبخيل والخالي من الشيم ليس باستطاعته العيش بينهم.
والأغنية البدوية تمتاز بالبساطة في كلماتها، وخفتها، ومعناها،
وصدق تعبيرها يصيغها البدويين بمختلف أعمارهم، فغناء الحض
والمدح. والغناء الخفيف تصيغه النساء اللائي غالبا ما يكن في
نوادي الرقص في المناسبات كالختان والعرس والعيد وغير ذلك.
كن وجدنا ذلك في النساء نجده في الرجال وغالباً ما يدور عندهم
في الافتخار والاعتزاز بالنفس وذكر الخصال الكريمة عنهم
يترنمون به في فلواتهم وخلواتهم على ظهور الخيل والجمال، إما
محاولة لدفع السأم والملل الناتج عن السفر أو لتشجيع الإبل
باليسر لتقطع بهم المسافات الطويلة، فتسمع الأغنية (من الفتاة
في غدوها ورواحها، ومن الفتية حول البئر يسقون، ومن الكهول أو
الشيوخ وهم على ظهور الجمال يقطعون الفلاة لغرض من أغراضهم
فالأغنية دائما على كل فم).
2-1 أقسام الغناء
الغناء عند البدويين ينقسم إلى أقسام بحسب المشارب التي يتحدث
عنها فيها ونوع المناسبة:
2-1-1 الغناء للأطفال:الأغاني التي تصاغ للأطفال دوما
تكون فيها الكلمات بسيطة، والإيقاع خفيف، ذا مضامين تدور غالباً
في غرس الاعتزاز بالنفس... والأغنية هي تلك الكلمات "الموجهة
لفتية تتراوح أعمارهن بين شهر إلى 10 سنوات".21
الغناء للرضع:أغاني تهدف إلى تسلية الطفل، وتغنى له قبل أن
ينام وغالباً ما تقوم بها (الشنغايات.
فهذه أغنية تخاطب فيها المغنية النوم وترجوه أن يأتي لطفلها
مغرية إياه بهدايا قيمة في أية لحظة قدم فيها وهب (الكُكُر)* (التمر)**
(نسية) ***
النَّوم تَعَال دَبْدَب العِيَالْ
كن جيت فجز بنطيك قَهَرْ
كن جيت ضهر، بنطيك تمر
كن جيت عشية بنطيك نسية
وهذه أخرى تسلي وليدها بمدحها إياه بأنه سليل قوم كرام يطعمون
الطعام للضيف وقت الضيق والسعة، ويقدمون من القليل مثل ما
يقدمون في الكثير وهو ابن البطل الذي يسد المئة فارس ولا يخشى
إلا وصمة العار حيث تقول:
ولد البعشي الضيف في سنين الدباره
ولد البكلب الكوم وبيابي الرعاية
ولد البعشي الضيف ومن الشية
ولد البكلب الكوم من المية
وأخرى تسلي الطفل ذاكرة له الخصال الجميلة لأهله، فهم قطاع
الفيافي بجمال مجهزة محلاة بالزنية، وهم الذين ينعمون طفلهم
ويدللونه، ويعزون حتى كلابهم، فهي شبعى من لحم الجزور المقدم
للضيوف، كما أن جمالهم مثنية ناصعة، تقول:
نحن الساروا أهلنا للمسار حكوه
با صورهم دبجوه صوف النعام درجوه
البكاي صغيرهم من الحليب أرووه
النباح كليبهم بالعطم زقلوه
والماصع جملهم بالعقال تنوه
مرحا لهم عدلوه درب الجلا بدوه
درب الجلا سلوه بتاني ما كسوه
فأغلب القصائد التي بأيدينا عن غناء الأطفال إما تسلية (كتخويفه
بصوت الكلب أو الغول).
الطهورة: وهي "الختان للذكر وخفاض الأنثى، واسم الطهورة من
الطهارة كما هو واضح، ولعلها الغاية من الختان في الذهن
الشعبي"22 فالبادية التشادية تحتفل بطهارة الولد وتقام له
المناسبة التي يحضر فيها كل الأهل ولا سيما أعمام الطفل
وأخواله من البوادي المتفرقة.
ولكنها لا تحتفل بخفاض البنت بل يستقبحون ذكر خفاضها بين الناس،
ويخفون خفاضهن حتى لا يعلم ذلك أقرب الناس إليهن.
إذا ما بلغ الطفل الخامسة عشرة يكون قد تجاوز مرحلة الطفولة،
ودخل مرحلة الرجولة، وعليه يحاسب على كل صغيرة وكبيرة، وتجهز
له أدوات الرجولة من اللباس الخاص بالكبار كالعمامة.
وهي الميزة الوحيدة فعندما يضع العمامة على رأسه وجبت عليه
لوازم الكبار، فيقدم للختان وأثناء الختان تغني له الفتيات من
خلف ستار بكلمات معبرة، تحذره فيها من الخوف، فإذا ما اجتاز
هذا فهو البطل الذي يكتب اسمه مع الكبار، وإذا كان عكس ذلك
فيمحى من القلوب وينبذه المجتمع.
اليوم يوم الرجال ولد الدود باتخاف
أي هذا هو اليوم الذي يفصل فيه الرجال عن غيرهم فابن الأسد لا
تخف ومتى كان ابن الأسد يخاف هذه الطارئات الخفيفة على جسمه؟
أو يقال:
كرموله فرده
محرم الشرده
خلو الشوك
شوكوه باللبره
أي عمامته كبيرة، ويرى في التولي يوم لقاء الأعداء ذنب، فتدعو
الطبيب الذي يقوم بالختان أن يطرد الوهم من ذهنه، فهذا لا يخاف
من وخز الإبر التي من الحديد فكيف يخاف الشوك.
1-1-2 أغاني العرس
الزواج: وهو " تتويج الخبرة والتجربة التي عاشها ذلك الوليد
قبل سنين... يصاحب هذا الزواج طقوس انتقال وعادات تشترك (فيها
الكثير من) الشعوب العربية المختلفة...23 وعادة ما يكون ابن
العم زوجا لبنت العم أو ابن الخال، أو ابن العشيرة أو القبيلة
وخروجها من دائرة القبيلة يعتبر منقصة لها.
يسبق العقد فترة يقال لها الشرط، وهي من اسمها تدل على أن هناك
عهداً وقع بين أهل الفتاة والرجل، وهي ربما تشبه الخطبة في
المجتمع العربي الشرقي.
فليلة الدخول تسبقها فترات، كل فترة لها غناؤها الخاص بها،
والفترات هي:
الكيلة: وهي تطلق على المستلزمات المفروضة على أهل العريس من
طعام وملبس وأدوات زينة تشد على الجمال ويذهب بها إلى أهل
العروس لهذه الفترة غناؤها الخاص بها وهو غالبا ما يدور على
مدح العريس أمام أهل العروس وافتخار أهله أمام أهلها. أو خض أم
العروس على أن تقوم بالواجب تجاههم، كما يوجه الذم لأم العريس
وتوبيخا لها، وهو ذم وتوبيخ غير حقيقي، لذلك لا تتأثر به أم
العروس عندما تسمعه، فتغني الفتيات من أهل العريس مصفقات
راقصات وراء جمال الكيلة، يفتخرن بالكرم يشبهن أنفسهن بالوادي
الذي فاض نيله ليغطي الغابات حوله:
وادي هواش ونيله جابه
كشا دفره
وادي هواش شواربه غابه
عز العرابة
عزا قديم
ما هو دهابه
أو يمدحن ابنهن وأخيهن بأنه الكريم ابن الكرام وابن الشجعان،
وهو مدلل ويمتاز بخصال تحرق قلب الحسود، وفي اللحظة ذاتها
يحذرن أم العروس من البخل فهي أمام كريم.
يا عمه هاي البخل خليه
جاك البحير كن تعومي فيه
عنده أبهات ديدان باكه
عنده مهير بلعب حمعه
قلب الحسود بالنار بكويه
غناء الدلوكة
الدلوكة أو اندلوكة أو امدلوكه هو عزف معين تعزفه النساء في
الدفوف أو النقارة وهي الحالة الوحيدة التي تقوم بها النساء في
العزف. وخاصة كبار السن منهن، كما أن رقصتها أيضا تختلف عن
الرقصات الأخريات إذ يكون الفتيان والفتيات في حلقة دائرية
تكون المغنيات بدفوفهن في مركز الدائرة. يمدحن العروس والعريس
على السواء ولكن القصائد التي بين أيدينا أغلبها في العريس.
فها هي: قريبات العريس يمجدن أبنهن ويخاطبن أهل العروس من
فتيات أو أمهات كبار بأن الأمهات لا يلدن مثله: وأنهن لا يمكن
أن يجدنه لولا القدر.
اتن ما بتلكنه، أمهاتكن ما بلدنه
العريس طيير الجنة بالبكر بيعنة
ويقلن:
ألوم بساري به
وباكر بلالي له
لواي الرجال بايده
كيف المطارق له
أي اليوم أقضيه كله ساهرة، وهو الغناء في فمي، وغداً وهو في
بيته مع عروسه أناغيه فهو الفارس.
ويمدحن العروس ويتفاءلن لها بالخير إذ يقلن:
تملأ البيت عيال
تملأ الربك عجال
حلالة بارده أم العيال
غناء الرحيك
تقطع فترة ليست بالقصيرة لإعداد مستلزمات البيت، كالخيمة،
والسرير العربي الذي يصنع من الجلود وشجر القنا وطحن الغلال،
حيث تجتمع الفتيات لحملهن الغلال بالرحى التقليدية التي تتخذ
من الحجارة ويقال لها المرحاكة، وكي ينجزن عملهن بسرعة دون مكل
أو كلهن يصغن غناء بإيقاع شبيه لحركة الطحن في الرحى. وتدورـ
كما الموضوعات الأخرى - في الاعتزاز بالنفس والضجر.
البيدرة يوم شدوها
كما أعدوا قوها
أبو حمة كسو بها
روح النباي سلوها
فهذه المغنية تفتخر بأن أهلها حيثما يشدون خيلهم وجمالهم لا
يقفون عند الحدود المخصصة لهم بل يتجاوزونها إلى غيرها من ديار
أعدائهم حتى لا يتركون فرصة للتحرش نحوهم.
وهذه أخرى تمل حياة القرية- لا توجد فيها الناقة بفصيلها، ولا
المهرة بعلوها وإنما يوجد فيها الجداد- والمدينة وتهفواالى
حياة البادية، حيث التقاؤه والسخاء والحرية، ولكن البادية قد
غيرت عادتها إذ كثر فيها القتال، والإغارة ماذا تفعل بقول:
الحلة بجدادها
قلبي أبي فعادها
الخرشة ببناتها
شالوهن الهنباتا
فرغم ذلك تقول إن لها من يحموها، وهم فرسان مرد، فهي لا تخاف
تلك الحياة المضطربة الطارئة، فهم أهل لأن يحلوها، وترى أن من
يغيب ليقتني الناقة هو ذلك الرجل الذي يعرف كيف يدخل أمواله
ويعرف ما أحق بأن يسعى إليه أو بغنم، وأن الذي لم يسع الناقة
لا يستطيع أن ينام أبداً، فالناقة جميلة وصوتها جميل، ولا سيما
عند يتفرقن في الوادي وتسمع صوتها عن بعد.
يوم فرشوا فرشاتهم
وادرعوا سلحاتهم
أنا قعدة فوق الطلحة
بسمع رذيم البلحة
ا الوليد الساعيها
هديك الجيبة الصالحة
أنا قعده في واديها
بسمع حسيس راعيها
الولد ألما ساعيها
عينه النوم ما بجيها
غناء السواقة(السيرة)
يجلس العريس على فراش جميل وتاتي عماته واخواته وخالاته يغنين
له ويحرضنه بان لايقوم الا اذا وضعوا العمامة على رأسه فيظل
جالسا حتى يعمم قائلات له :
كدموله شاش حنجور الرقاب
ولد الدود يا تكم كما كدملوك
ثم يتقدم إليه شيخ من كبار السن ويعممه التعميمة الخاصة
بالعريس ، بعد ذلك يجهز له مهر تكتمل فيه زينة الخيل فيحمل
عليه ، يسير المهر رويدا وتمشي الفتيات حوله مصفقات مغنيات ،
يتقدم الرجال ، فيقف هنيهة يرقصون حوله ثم يستمرون في ذلك يقلن
:-
سير جاي خينا هاي ياولد جاي هاي
وهكذا يمشي المهر الهوينى وتمشي النساء خلفه ينوعن في أغانيهن
الفتي توجد العريس والقبيلة والعروبة :
كسوا قادي يا الما مننا العرق الصافي هن جدنا
وتداعب أخوات العريس أحيانا أخوات العروس بهجاء لا يتجاوز روح
الدعابة قائلات :
كسن قادي ياكفر الصهب شيفن ليكن فضة ودهب
ومعناه تنحينا بعيدا يا قرف الصهب (والصهب نوع من الأشجار )
وانظرن إلينا فنحن الفضة والدهب .
التبريد:
وفي لحظات الرقص الأخيرة يتقدمون بالعريس إلى خيمته أو البيت
الذي بني له. وعندما يأتي أمام البيت يرفض النزول من المهر .
لأنه في العادة عندهم لا ينزل الريس إلا إذا قدمت له هدايا من
أمه وأبيه وإخوته وأعمامه وأخواله ، فيتقدم أبوه على مهر آخر
ويحاوره بأني أعطيك كذا .(إنزل ياعريس ) وسيظل رافضا طالبا
الكثير وفي اللحظات الأخيرة يشددن الفتيات في تحريضهن للعريس :
العريس بدور الحاصل كلام الخشم باطل
العريس بدور الفيه كلام الخشم شية
غناء الدخلة
ويستأنف الرقص صباح اليوم التالي وهي لحظات خاصة بأهل العروسة،
فعندما تنبت بكارتها يكون ذلك مصدر فخر لأهلها، ويقمن بمدحها
حيث يقلن:
أمها ميرم بيت البها بتبنيه
وأبوها فارس فاشر الضحى حاميه
ابوجود سايق الحوار لا هيه
أي أمها ذات شان اجتماعي كبير بيتها عامر بالأنس، وأبوها فارس
وكرم ومصلح مجلسه مثابته يقصده الناس من كل جهة.
ويمدحنها بأنه بنت عفيفة وطاهرة، لم تجلب العار لأهلها حيث
يقلن:
يا مستورة نييها
الما خجلت واليها
يا مستورة حميانها
ألما خجلت وليانها
أي كانت تقية مطيعة لله ورسوله، ولم تخجل وليها يوما بشيء يشين
كرامته أمام الناس.
الرقص:
البدو يحبون المرح والغناء، فهم حتى في غير المناسبات يخرج
الفتيان والفتيات في ميدان عام ويلعبون، فرقص المناسبات غالباً
يكون بالنهار، أما الرقص العادي فيقام في أغلب الأحيان بالليل،
ولهم رقصات متعددة. مثل:
رقصة الجفال: والجفال رقصة من رقصات البدو، إذ تبدو الفتيات في
نصف دائرة ويغنين، فتخرج ثلاث فتيات من وسط الفتيات وتبدي
استعدادهن للرقص وسط الحلقة، ويخرج مجموعة من الشباب ليس
بالضرورة أن يكونوا في عددهن ويثبون وثبتين ثم يضربون بأرجلهم
في الأرض بطريقة منتظمة لا يختلف حركات واحد دون الآخرين فتعطى
إيقاعا نفس إيقاع التصفيق الذي تحدثه الفتيات في الحلقة.
وموسيقا الكلمات ايضا ينبغي أن تكون بنفس الإيقاع. والغناء في
الجفال في الرقصات الأخرى قصير لا يزيد عن البيتين أو الثلاثة
ويكون من النمط الإيقاعي أو الموسيقي الخفيف الذي يتناسب مع
الرقصة مثل هذا النموذج:
العجيلة بت البارة
حاشي انقرون جوّاله
البهار كن جاني بركب الدنانة
فيكون تعطيها الإيقاعي كالتالي:
العحيلي بتالبارا
حاشيي امقرون جوالا
فالرقصة تكون سريعة الإيقاع أغانيها خفيفة الأداء وكلماتها
قصيرة لتناسب هذا الإيقاع السريع الخفيف... ويكثر في (الأغاني)
التي تغنيها النساء في حلية الرقص للإشادة ببطولة الفرسان
وتمجيد الرجل البارزين ويحتشد الرجال حول صعبة الرقص هذه ويشتد
حماسهم كلما غنت الفتيات أغنيات حماسية" مثل:
هلموا الشاوروا
درب انكرين خلوا
اسعوا لي الدرجة
أم قلبا مجرد قوه
ومعناه: اجتمعوا تشاوا واتركوا اقتناء البقر واقتنوا الإبل.
الكبرى: هو اسم لرقصة شعبية بدوية، تكون النساء فيها صفا واحد
طويلا وبالقرب منهن (النفارة) وأغانيتن هذه الرقصة تختلف عن
السابقة حيث إنها تمتاز بالثقل وتعتمد على الإنشاد وإيقاع
النقارة الثقيل غالباً مثل:
بالصبيان لمثقل هزوها
كل ما جور النصارى اجرك دارة تحربوها
ومعناها يا أيها هزوا رماحكم، فلولا جور الفرنسيين لأطحن جسكم
الملوك العصاة، واشجك ربما تغني في إحدى اللغات المحلية ملك.
وكقولهن:
خي امراد إلى شيء أبو الليون
عدتيك الجمل المرسون
فراقك أنا دل كي هموم
أم مراد: الشاعرة صاحية الأغنية، يا أخي أم مراد يا الحاشي
أنين الليون فراقك إياي أنزل علي هموماً.
أغاني الحرب
كل الأغاني التي شيق ذكرها تصوغها النساء وتغنيها في المناسبات
كالعرس والختان والعيد، فالرجال لا يغنون في من كل هذه
المناسبات، فغناؤهم مختلف تماماً، فهم لا يغنون إلا الفلوات
منفردين، أو جماعات متاكفة، وأغانيهم تجسد همومهم العاطفية
غالبا، هذا باستثناء الشعراء المحترفين، فهؤلاء ينشدون شعرهم
ولكل في نواد خاصة. وغناء الرجال في الفلاة وهم على ظهور
الجمال تختلف في معانيه وأدائه عن غناء الفتيات في حلقات الرقص،
ومن غنائهم حول السبير..(فهناك) العناء الذي يحول به الفتى
لتشجيع أجل على السير يمتاز بالقصر فأحيانا يكون من شطرين أو
ثلاثة يكررها بلحن معين يتماشى على رقل الجمل فتحسن له إيقاعا
جميلا والمعنى عادة يدور في المدح أو (الساهاة بالجمل الذي
يركبه وكيف إنه قوي الاحتمال سريع الخطى يقطع المسافات في
سريعات، وقد يصفه من حيث صورته ووسامته بين الإبل أو تطرق
الأغنية أغراضاً مختلفة أكثر شيوعاً كان يذكر محبوبته وشوقه
إليها وحنينه إلى دارها، ويمجد جمالها وأخلاقها، وقد يكون
جماعة مرسلة تصور فلسفتهم البسيطة عن الحياة وقد يكون سرحا
لنفسه وكرمه ونبل خلقه، كقول الشاعر:
وهناك الغناء الجماعي وغالبا ما يقال في الاستعداد للعرب لرفع
الهمم ويكون أيضا إنباتا قصيدة مثل:
قل قبيل شن قلنا
نموت وللطير يأكلنا
كما أن النساء أيضا يتناولن هذا النوع من الغناء الخرجي ويرفعن
من همة المقاتلين، وغالباً في الشجاعة والإقدام ذم الجبن وفي
تقول إحدى الشاعرات:
البطال أنا عارفه
من أمة كلف به
البطال أوروني به
هلي يربط له فرده
وبفضل له زبده
ومعناه أنا أعرف الجبان الذي لا يصبر على اللقاء منذ أن كان
نطفة في بطن أمه وفي نفس الوقت تتساءل أروني الجبال لا نسبة
ليسا النساء وأسرح شعريا تشعرهن واسمه له بالزيت فهو لم رجلا.
الدلالة اللغوية والاجتماعية لأغاني البدو
الدلالة اللغوية
ولد البعشي الضيف في سنين الدبارة
ولد البكلب الكوم وبيابى الرعابه
ولد البعشي الضيف ومن الشيه
ولد البكلب الكوم من الميه
هذه الأغنية تقال للطفل قبل النوم ومعناها بالفصحى يا ابن الذي
يقري الضيف في الأيام الصعبة أيام الجوع والهلاك، يا ابن الذي
يرجع القوم الغازين ولا يخشاهم ولكن يخشى أن يقال ورائه إنه
جبان. ولد الذي يقري الضيف من القليل ويهزم المائة من الفرسان.
الظواهر الصوتية:
الأصوات العربية التي تغيرت بحكم عامل ما. قلب القاف إلى (G)
وجلب صائت جديد وهو (o) وصائت آخر وهو الإمالة نحو الكسرة، كما
في كلمة ضيف.
الظواهر النحوية والصرفية: (ال) في البعشي اسم موصول. فالمضارع
له في اللهجة التشادية " ثلاث ظواهر... تميزه ... عن بنائه في
الفصحى، وتتمثل في الظاهرة الأولى زيادة الباء في أوله... وذلك
في الفعل المضارع المبدوء بالهمزة أو الياء". كما في بعشي أي
يعشي. وإذا كان فعل المضارع المسند إلى ضمير الغائب مهموز
الفاء فنجد فيه الاتجاهين عند الناطقين باللهجة التشادية.
اتجاه البدويين وخاصة الأبالة الذي يبقون على ياء المضارعة
ولكنهم يزيدون قبلها باء، قد تكون ساكنة أو مكسورة كما في (بيابى).
قلب الهمزة ياء أو تسهيلها لأن في اللهجة التشادية لا تأتي
الهمزة في أواسط الكلمات، كما في مية.
الكلمات التي تطورت دلالاتها:
- بعشي: هنا معناها يقري وإقراء الضيف في أي وقت. وارتبط القرى
بالعشاء لما هذا الوقت من الليل من إحراج، إذ يأتي الضيف في
وقت متأخر من الليل ومع ذلك يقرونه، وهذا ما يفتخر به البدوي،
فاللفظة هنا اتسع مجالها.
- الدبارة: في الفصحى تعنى الهلاك، أما في الدارجة التشادية
فهي الجوع الشديد، وفي اللفظ تضييق.
- ولد: في الفصحى تطلق على الذكر والأنثى، أما في العامية
التشادية وتطلق على الذكر فقط.
نحن الساروا أهلنا للمسار حكوه
باصورهم دبجوه صوف النعام درجوه
البكاي كليبهم بالعظم زقلوه
والماصع جملهم بالعقال تنوه
مرحالهم عدلوه درب الجلا بدوه
درب الجلا سلوه بتاني ما بجو
نحن من يسيروا أهلنا في الفيافي، وفي مسارهم زينة وجمال، وضعوا
سروجهم في جمالهم وألحقوا بها الزينة، وابنهم المدلل قد روي من
الحليب وكلبهم شبع من اللحم، وجمالهم هائجة قد أثنوها بالعقل،
هم بالرحيل ولا يرجعون مرة أخرى لهذه الأماكن فهم يبحثون عن
أرض جديدة.
أهم الظواهر الصوتية في هذه الأغنية:
- أصوات لم تتغير بل بقيت على حالها كما في الفصحى، ولا نتعرض
إليها هنا وإنما نتعرض للتي أصابها التغيير.
- صوت غير عربي دخل في اللهجة كما في كلمة (دوكجو) لا توجد في
العربية ولعلها من تأثر اللغة العربية باللغات المحلية.
- قلب الثاء إلى تاء كما في كلمة (تنوه) أي أثنوه وكلمة (بتان)
أي ثانية.
أما الظواهر النحوية والصرفية: فهي كسر نون (نحن) الأولى وفتح
الأخيرة. و(ال) في كلمة السارو اسم موصول بمعنى الذي.
- التقاء الساكنين وهذه الظاهرة لا توجد في الفصحى. أما في
العامية فكثير كما في كلمة )باصورهم) و (تنوه)
الدلالات الاجتماعية
المتطلع للشعر الشعبي في البادية العربية في تشاد يجد أن جله
يدون حول الفخر والاعتزاز بالنفس سواء في ذلك القصائد الطويلة
التي ينشدها الشعراء في النوادي الخاصة لذلك أوحدت الأغاني
التي يرافقها الرقص في المناسبات العامة أو الحالات العادية من
ذلك قول التي تغني لابنها مذكرة إياه بأمجاد آبائه. تقول:
البكاي صغيرهم من الحليب رويان
هم بعزوابت الباركن دارت المسار
هم بعزوابت الخيل كن دارت المشوار
سكاتين صغير الجار ليلة تجي الحزات
عزازين الولية يوم الوكت يندار
وهؤلاء الفتيات يغين للعريس مفتخرات أمام أهل العروس بأنهن
كالنقا عندما يمر عليها النيل )السيل) وإنهن فضة وما عداهن
أوساخ تتطاير منها وهن الحرير وما عداهن بقايا.
نحن رملة النيل جلانا
نحن فضة الناس شرارنا
نحن حرير الناس خرانا
نحن قلة الناس شرانا
الكرم
الكرم من الخصال الحميدة التي لا يبارى فيها العرب قوم،
ويتباهون به، والذي لم يحظ بشيء منه ستكون حياته بينهم جحيما،
فهذه (الشاغية) تناغي وليدها قائلة:
ولد البعشي الضيف في سنين الدبارة
ولد البكلب الكوم وبيابى الرعابه
ولد البعشي الضيف ومن الشيه
ولد البكلب الكوم من الميه
فالكرم عندهم مرتبط بالشجاعة، فلا يجمع كرم مع بخل. وتقول أخرى
في الكرم:
ولد البحب الجار كن طرو الخير هو القالو سبق
يوم شاف الضيفان دأبه فاطره انطلق
فارش بروشا بيض كيف الطرق
قرعته مدحلبة ودربه على الضيفان بدادا خلق
المدح:
المدح من الأغراض البارزة في الشعر الشعبي البدوي في تشاد،
والذين يمدحون غالبا هم الكرماء والشجعان من القوم، وكذلك
يمتدح العريس في يوم عرسه مدحا خاصا ويرتبط غالبا بأسرته. فهذه
أغنية يمتدح فيها العريس أمام أم زوجته، ومن يقوم بالمدح في
هذه الحالة غالبا أخوات العريس.
يا عمه هاي البخل خليه
جاك البحير كن تعومي فيه
عنده أبهات ديدان باكه
عنده مهير بلعب حمعه
قلب الحسود بالنار بكويه
وكذلك يمدحن أخاهن وفي نفس الوقت يشاكسن أهل العروس مشاكسة
مصطنعة ليست جادة الغرض منها فقط مدح العريس أمام أهله الجدد
حتى يتمسكوا به جيدا. فيقلن:
اتن ما بلقتنه
أمهاتكن ما يلدنه
العريس طير الجنة
بالبكر بيعنة
الهجاء:
وهذا النوع أيضا يسير جنبا على جنب مع الغرض السابق وغالبا ما
يهجى الإنسان الجبان، أو البخيل وفي هذا تقول الشاعرة:
البطال أنا عارفه
من أمه مخلف به
البطال أوروني له
وي بربط له فرده
وبفصل له زبده
--------------------------------
المصدر موقع دبالاي
http://dabalaye.com