|
تشاد إنها المنطقة التي تقع حول بحيرة تشاد حيث قامت
إمبراطورية كانم التي تعتبر من أعظم امبرطوريات القرون الوسطى
في ذلك المكان الذي عرف في التاريخ القديم بالسودان الأوسط أو
إفريقيا جنوب الصحراء لقد دخل الإسلام هذه المنطقة في القرن
الهجر ى الأول السابع الميلادي ,
وقد
اشتهرت كإمبراطورية عظيمة في وسط القارة السمراء وعرفت علي
نطاق واسع بين العالم كما ظهرت في كثير من الخرائط الأوربية ،
منها الخريطة القطا لونية, الموجودة بمكتبة إستنس, بمدينة مود
ينيا بإيطاليا, وذلك في القرن الخامس عشر الميلادي وعليها صورة
الملك" أور جانا " سلطــــان كانم . وبلاد كانم هي التي تقوم
عليها جمهورية تشاد حاليا وتبلغ مساحتها مليون و مائتان وأربعا
وثمانون ألف كيلو مترمربع , وتحدها من الشمال ليبيا ومن الشرق
السودان ومن الغرب جمهوريتا النيجر ونيجريا وجنوبا , جمهوريتا
الكمرون وإفريقيا الوسطى , لقد عرفت إمبراطورية كانم نظاما
سياسيا متطورا بمقاييس ذلك العصر، و بناءا إداريا محكما ، يقوم
على أسس متينة، من القيم، و الأخلاق، والقوانين المستمدة من
الشريعة الإسلامية ، حيث حدد السلطان" أومى جلمى" الذي حكم في
القرن العاشر الميلادي، سلطة الملك ونظّم العلاقة بين الحاكم
والرعية، وجعل الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية أساسا
لنظام الحكم. ويكون بذلك قد سبق الفيلسوف الفرنسي مونتيسكو
"1691-1755م" علي أهمية الفصل بين السلطات تجنبا لاستبداد
الجمع بين السلطتين . يعتبر عهد السلطان "دونامة" الثاني العصر
الذهبي للإمبراطورية خلال القرن الثالث عشر الميلادي، فقد وسع
رقعة الدولة حتى وصلت إلى إقليم فزان شمالا بليبيا وامتدت إلى
الشواطئ الجنوبية لبحيرة تشاد، " إقليم باقرمى" وامتد نفوذها
حتى ضم إقليم دارفور شرقا وما تزال آثار كانم واضحة في ذلك
إلاقليم, بحسب علماء الآثار وتم انتشار الإسلام في دارفور على
أيدي ملوك كانم في القرن الثالث والرابع عشر الميلادي كما وصلت
إلى إقليم "برنو" غربا. و لقد اتبع سلاطين كانم سياسة رفيعة
المستوى , يشارك فيها كل أبناء الشعب التشادي من خلال مجلس
الشورى( ألأجاويد ) في العاصمة "أنجيمى" آنذاك ،وكان المجلس
يدير السياسة العامة للدولة ،بينما الأقاليم تدار من قبل
ألأمراء في الشرق والغرب والشمال والجنوب ويتمتع كل أمير
بالحرية في تنظيم الشؤون الإدارية للإقليم. وبذلك أكتسب سادة
كانم أسباب القوة والسيادة والرفعة والمجد ,ومظاهر الحضارة
والرقي ,على من حولهم من الأقطار، واكتسبوا أهمية عظيمة في
القرون الوسطى وأصبح سلاطين كانم ضمن مرتبة السلاطين الأربعة
العظماء وهم: سلطان الدولة العثمانية، وسلطان غانا، وسلطان
مالي ، وسلطان كانم.
لقد كان ذلك إذا
تاريخ مشرف لكل أبناء الشعب التشادي، والكل مساهم في صنع هذا
التاريخ المجيد , لكن للأسف ما تشهده تشاد اليوم لا يمت لهذا
التأريخ بصلة ،والمؤسف أن يتنكر بعض أبناء الشعب التشادي لهذا
المجد العظيم , من خلال تكريس القبلية وتغليب مصالحهم الشخصية
الضيقة على حساب بناء الدولة ، والتحالف العشائري مقابل بناء
المجتمع المدني.ذلك المجتمع الذي عرفته إمبراطورية كانم قبل
اثنا عشر قرنا من الزمن، حيث عاش الشعب التشادي كأمة واحدة
استطاعت أن تسود قرونا هذا الجزء من العالم، إلي أن جاء
الاستعمار الاوربى الذي قاومه الشعب التشادي بكل بسالة
واقتدار،لكنه نجح في إذكاء أشد الحروب فتاكا ، لتغيب أمة قد
حملة تاريخا إنسانيا بكل اقتدار وجدارة, لعدة قرون في هذا
الجزء من العالم حيث بدء بأول خطواته بمحاولة طمس هوية هذه
الأمة,حيث قتل العلماء. ( مذبحة الكبكب أربعمائة عالم مثال حي
في ذاكرة الأجيال .)وحرق التراث, الذي يعتبر ذاكرة الأمة،
وانشأ في وطننا مدارس موجهة لتزيف وعينا بذاتنا, وهكذا ورثنا
منه ما يسمى بالدولة الحديثة. حيث تأكد تماما أنها تقوم على
أنقاض هذا التاريخ الرفيع، لأنه نجح في إذكاء التمسك بالقبلية
بدلا من الدولة. منذ أن انتزعنا منه استقلالنا.
( وإن كان لا
يزال اسميا فقط ) لم نزل هائمين على وجوهنا، تتحكم فينا النزعة
القبلية والبحث عن أمجادها الخاصة ، وعندما قامت ثورتنا (جبهة
التحرير الوطني التشادي ) ضد الظلم والاستبداد في ستينيات
القرن الماضي تقسمنا إلى قبائل متناحرة حتى فقدت الثورة قيمتها،
وفاعليتها ، وصار الكل ضد الكل، وأصبح الشعب التشادي يواجه
مصيره في الحياة حيث يعاني يعانى الفقر والحرمان . أما زعماء
الثورة باتت أهدافهم متناثرة بعدد قبائلهم و الوصول بالقبيلة
إلى سدت الحكم صار من أولوياتهم ، وتجاهلوا تماما مصير هذا
البلد والطريقة التي يحكم بها, وقد أمعن المستعمر الفرنسي في
القطع بين الأمة وتاريخها الذي ظل وحده متأصلا في نفوسها,
وأولت مهمة بناء الدولة الحديثة علي أيدي الذين يحملون الثقافة
الفرنسية ويدينون لها بالولاء, حيث أصبحت الدولة تمثل النخبة
التي تحمل الثقافة الفرنسية ولا علاقة لها بثقافة الشعب وذاكرت
تراثه التاريخية، وإن الحكومات المتعاقبة على هذا النهج لم
تستطع تقديم أي شيء يذكر سوى المزيد من المعانات لهذا الشعب.
وأعادت الثورة نفسها في أيامنا هذه ولم تستطع أيضا تقديم شيء
جديد لقد تفرقت إلى قبائل على أساس المصالح الضيقة لزعمائها،
وتقاسمها العالم من حولها، حيث يزداد هو تماسكا في وجهها ويسعى
جاهدا لتمزيقها لإحكام السيطرة عليها ، لأنه يعي اللعبة تماما
لقد أسس بنيانه الداخلي على أساس الدولة لاعلى أساس القبيلة ،
ويبحث عن المجد والرفعة للدولة لا للقبيلة, وبذلك تجاوز بناء
القبيلة في وجه القبيلة إلى بناء الدولة في وجه المجتمع الدولي,
ويستخدمنا كقطيع من الماشية لتحقيق المصالح العليا لبلاده
وحدها ,التي تخدم وطنه . إن هذا كما هو معروف شأن العلاقات
الدولية التي تقوم على أساس تغليب المصالح الوطنية العليا
للدولة, ولو على حساب الآخرين , ولطالما ساهمت القوى الخارجية
في اختيار من يحكمنا ، و ظلت الإرادة الخارجية هي القوة
الفاعلة في تصرفا ت حكامنا , والمتاجرة بحقوقنا تجري تحت
الطاولة بين الأقوياء . هكذا حال العالم من حولنا أما نحن
فتقسمنا إلى زعماء قبائل فكل منا له صديق يرتكز عليه من هؤلاء
يستقوي به ليصل إلى السلطة ويصبح عالة بين يديه لاحول له ولا
قوة، ويظل الشعب التشادي بين هذا وذاك يدفع الثمن غاليا من فقر
وظلم وحرمان رغم وجود هذا الكم الهائل من الثروة ، قد يقول
البعض إنني أبالغ .كثيرا في وصف واقعنا السياسي , لكن الوقائع
تؤكد أن القوى الخارجية كانت دائما حاضرة بقوة إن لم تكن
الفاعل الرئيسي في تفاصيل حياتنا السياسية. ونحن فيما يبدو
قبلنا التعامل معها على هذا الأساس ،حتى إذا فكر حاكمنا في
مخالفة من يقف وراء وصوله إلي السلطة فيتخلى عنه صديق الأمس و
يأتي بأخر يعي الدرس جيد, أي المصالح العليا للطرف الخارجي
الذي ظل يلازمنا طوال هذه السنين, إن ما يمكن أن يعيد لهذا
الشعب حقه في التمتع بالعيش الكريم واستعادة حقوقه والتي ظلت
مغتصبتا طوال هذه السنين وتجاوز هذا العمل البدائي الذي لا
يرقى إلي مستوى هذا الشعب صاحب هذه الأمجاد عبر هذا التاريخ.
هو الإيمان بثقافة العيش المشترك بدلا من إلغاء الآخر ,واختيار
النهج الديمقراطي الذي عاشه هذا الشعب قبل اثني عشر قرنا ,
بدلا من الدكتاتورية التي تُفرض علينا من الخارج، والعمل على
بناء مؤسسات الدولة بدلا من بناء القبيلة , وبذلك نستطيع قطع
الطريق أمام من ينهش في جسم هذه الأمة ويزيدها فرقة، وتمزقا,
وهكذا نبني بلادنا لتأخذ مكانها الطبيعي في النسق الدولي. و
نجبر ألأخر لينظر إلينا كدولة لها مكانتها بحجم عراقتها عبر
هذا التاريخ. قد يقول احدهم أن هذا بكاء على ألا طلال ليس إلا
, لكننا نقول أنه رجوع بالذاكرة و استلهام للتاريخ لشحذ الهمم
وأخذ العبر, وانأ لست متشائما على مصير شعب هذا تاريخه وإنما
هي مرحلة سنتجاوزها بإذن الله . |