- الصفحة الرئيسية - المقالات
القبيلة والأمن القومي
 

محمد آدم الغالي الراشدي
المشرف العام على موقع المثقف التشادي

الأمن والسلام غاية تنشدها الأمم والشعوب، لتأمن حياتها واستقرارها ، لتستشعر بعد ذلك لذات الحياة وتصفو فيطيب العيش، و تأمن النفوس فتعم السعادة، وينتشر الأمل فتهفوا النفوس وتطمئن ، فيعلوا اللبناء منارة أمن استقرار، استقرار مكان بالسكن و نفس بالأمل في مستقبل زاهر، تعد له العدة بالزواج وأفراحه وطلب العلم وسلطانه والتدبير وشأنه.
قريش قبل الإسلام كانت الأفضل بين العرب، وذلك لأمن البيت الحرام، جاوره فأمنت مساكنهم وزاد رزقهم وأمنوا الخوف من الجوع قال تعالى (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف). لما كان الخوف سمة الزمان والأمن عزيز، دعا الله قريشا لتتفكر وتمعن النظر في الأمن أسبابه ومسببه قال تعالي ( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ).
فالأمن سلام مع النفس، فلا اضطراب في الوجهة والمقصد، سلام مع الأهل والمجتمع فلا تنازع ولا شحناء ولا خصام ، سلام مع البيئة بتسخيرها للتنمية والأعمار والسلم الاجتماعي، سلام في الاعتقاد فلا إكراه في الدين، وتطبيق للقوانين والعدالة فلا كبير ولا شريف فوق القانون والمجتمع، سلم في السياسة بالشورى وديمقراطية في التعامل ، سلم في الاقتصاد بحرية التملك والكسب والسعي مع تكافل اجتماعي رائع وراق، يكفل للضعيف حقه وينصفه ويسد حاجته، لتكتمل منظومة الأمن بالمفهوم الشامل للفرد والمجتمع والبيئة.
الأمن بهذا المفهوم وبتلك الرؤيا في عالم اليوم المعقد والمنمط، لا يمكن أن يتحقق في إطار الفرد أو القبيلة ، وذلك لقيام الدولة الحديثة على مفهوم الأرض والشعب والسلطة، وتبنيها لأيدلوجيات اقتصادية وثقافية ودينية معينة ، الأمر الذي جعل هناك أغلبية وأقلية وموالاة ومعارضة وعرقية ومذهبية ومصالح وارتباطات هذا التعقيد الذي صاحب الدولة الحديثة، دفع بالدولة أن تعمل على حفظ كيانها وعقيدتها ونظامها الاقتصادي والسياسي والثقافي من الاحتلال والاستلاب والتبعية الثقافية والعلمية .
فنشأ مفهوم الأمن القومي وان لم يكن ثمة تحديد وتعريف محدد للأمن القومي لاختلاف المدارس والزوايا التي يتناول بها هذا الموضوع، ما بين معرف له بأنه قدرة الدولة على حماية قيمها من التهديدات الخارجية .وآخر بأنه الإجراءات الأمنية التي تتخذ للحفاظ على أسرار الدولة وتأمين أجرائها ومنشأتها ومصالحها الحيوية في التدخل الخارجي والوقاية من نشاط المتربصين. ثالث عرف الأمن القومي بأنه يعني التنمية.
والتعريف الأخير رغم الإيجاز ألانه يبدوا الأشمل والأعم والأقرب لتحقيق غاية الفرد والمجتمع.
الأمن القومي مطلب له ما بعده، لذا حري بالمثقف التشادي أن يدرك أهمية ومفهوم الأمن القومي بالمعنى الشامل. لا كما يتوهم عند العامة من أن أمنهم واستقرارهم رهن بأمن واستقرار قبائلهم وعشائرهم، ولا يكون لهم امن ولا أمان إلا من خلال العشيرة والقبيلة. فهم على هذا النحو قاصر ومغلوط، عفا عليه الزمن ولم يراعي التحولات التغيرات الجذرية التي يشهدها عالم اليوم. فبين عشية وضحها تبدل في المواقف والخنادق وتحالف يقوم على أنقاض أخر. عولمة تقودها الاقتصاديات الكبيرة تدعمها التكنولوجية ويغذيها حب السيطرة والتفرد في عالم لا مكان في للضعيف، إلا أن يكون معه كنز فيهادن أو يغرى حتى يأخذ الكنز إن عجز عن أخذه عنوة .
في هكذا عالم لم تعد القبيلة والعشيرة قادرة أن تأمن نفسها،ولم يعد مفهوم أمن القبيلة ذا جدوى ، ولأن كان فهم العامة قاصر على أمن القبيلة فهو معيب ولا شك .
والدولة التي لا تعي و لا تدرك أهمية الأمن القومي والوطني بالمعنى السليم والصحيح تكون عرضة للتهديد في الجانب الذي أهملت من معنى ومفهوم الأمن القومي سواء الثقافي أو القيمي والعقدي أو غير ذلك من مكونات مفهوم الأمن القومي (التنمية) الأعمار فتتعطل مسيرة التنمية، ويتهدد السلم الاجتماعي فتتداعي عليها الأكلة .
المثقفون التشاديون اليوم مطالبون بالدعوة إلي مفهوم الأمن القومي التشادي بمعناه الشامل نابعا من اعتقادنا وثقافتنا وقيمنا المجتمعية، ومصالحنا القومية مصطحبين في ذلك اعتبارات الجوار وتداخله، والعالم من حولنا نظرته وتحوله. لنبني الأمن لأنفسنا بأنفسنا على أرضنا. أمنا تأمن به النفوس و تأمن به التنمية، ومستقبلا زاهرا وباهرا لأبنائنا وللأجيال القادمة وسيكون خير ميراث وأكرمه .

  
جميع الحقوق محفوظة 2008