- الصفحة الرئيسية - الاختيارات
إسهامات الوقف الإسلامي في أسلمه الممالك التشادية القديمة
وتواصلها مع العالم الإسلامي
 
الكاتب أ.حسب الله مهدى فضلة
اختيار المشرف العام على الموقع

يعتبر الوقف الإسلامي من أهم المعالم الحضارية والإنسانية التي تميزت بها الحضارة الإسلامية ، ومن أروع ما قدمه المسلمون للبشرية من الإنجازات التي تؤهلهم حقاً لأن يكونوا خير أمة أخرجت للناس ، لا سيما وأن الأمة الإسلامية هي أول من سن هذه السنة الحميدة ، يقول الشافعي – رحمه الله تعالى - : ( لم يحبس أهل الجاهلية وإنما حبس أهل الإسلام ) ... والأصل فيه ما رواه عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما - قال : « أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ ؟ قَالَ : إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا. قَالَ : فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ : أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلا يُبْتَاعُ وَلا يُورَثُ وَلا يُوهَبُ ، قَالَ : فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ ، لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا ، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ»([1]) .
ويكفي في بيان فضل الوقف وأهميته أنه أول الأعمال الثلاثة التي يستمر وصول ثوابها إلى صاحبها حتى بعد وفاته ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : « إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ : إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ » ([2]) .
وقد تعددت أنواع الوقف الإسلامي في العصور المختلفة ، وشملت جميع مجالات الحياة، فلا نكاد نجد مجالا من المجالات الاجتماعية أو الإنسانية التي يحتاج إليها الإنسان ، إلا وقد نال حظا من أوقاف المسلمين ورعايتهم .
وانطلاقا من أصالة الوقف وارتباطه بالمبادئ الإسلامية الأساسية التي جاء بها الدين الحنيف ، والتي لخصها الله تعالى في آية وجيزة مخاطبا بها رسوله الكريم عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم، فقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء : 107] ؛ فقد انتشر مفهوم الوقف الإسلامي وتطبيقاته ومنافعه في كل الأرجاء التي امتدت إليها أنوار الدين الإسلامي الحنيف، فلا نجد بقعة من البقاع التي نعمت بنور الإسلام إلا وقد عرف المسلمون فيها نعمة الوقف، وتفيئوا ظلاله الوارفة ، ونهلوا من خيراته المتدفقة ، بل كان بعض المسلمين يرون أنه لا يكتمل إيمانهم، ولا يضمنون سعادتهم الأبدية في الدار الآخرة ، ما لم يقدموا منفعة دائمة ، ويتصدقوا بصدقة جارية في سبيل الله تعالى .
وقد كان للقارة الإفريقية حظ وافر من هذه الثمرات اليانعة للوقف الإسلامي، تأثيرا وتأثرا.. وممالك حوض بحيرة تشاد التي تشكل جمهورية تشاد الحديثة ، والتي تعتبر من أوائل الدول الإفريقية التي أنعم الله عليها بنعمة الإسلام، منذ القرن الأول الهجري ، لم تكن تشذ عن هذه القاعدة ، فبمجرد أن انسابت الدعوة الإسلامية إلى هذه الديار، وبدأ الدعاة ينشرون الدين بين المواطنين ، ويشرحون مبادئه ، قولا وعملا، حتى بدأ المواطنون الذين اعتنقوا الدين الحنيف، يفكرون في إقامة الأوقاف التي تضمن لهم استمرارية الأجر والثواب عند الله تعالى ، إلى ما بعد وفاتهم ، سواء في داخل بلادهم أو في البلدان الأخرى التي يقيمون معها علاقاتهم الثقافية والتجارية والسياسية والاجتماعية ، وقد ساهمت هذه الأوقاف مساهمة كبيرة في نشر الدعوة الإسلامية في ربوع هذه البلاد ، كما كانت سببا لتحقيق التواصل والتعايش السلمي بين مختلف الأجناس والأعراق التي جمعتها هذه الديار ، ووجدت من سماحة الإسلام ورحمته ، عبر مؤسسات الوقف الإسلامي ، شريانا للحياة ، ومنبعا للتواصل والتراحم.
ورغم أهمية دور الوقف الإسلامي في النمو الحضاري والتقدم الاجتماعي لهذه المنطقة، سواء في عصورها التاريخية القديمة عند ما كانت عبارة عن ممالك أو إمارات محلية تحاول كل منها أن تمد سلطانها ونفوذها على ما تستطيع أن تسيطر عليه من المناطق على حساب الممالك الأخرى ، وإلى أن أصبحت دولة موحدة ذات كيان سيادي معروف باسم جمهورية تشاد .. إلا أن هذا الدور لم يجد اهتماما كافيا من الدارسين والباحثين في مجال الدراسات التاريخية أو الاجتماعية للشعب التشادي، وإن كانت هناك إشارات متفرقة متناثرة هنا وهناك تدل على هذا الدور العظيم للوقف الإسلامي ، لكنها لم ترق لتكون دراسة خاصة يمكن الاعتماد عليها في هذا المجال .
من هنا فقد رأيت تسليط بعض الضوء على الدور العظيم الذي أداه الوقف الإسلامي في منطقة حوض بحيرة تشاد ، بوصفه وسيلة من وسائل انتشار الإسلام في الممالك القائمة فيها ، أو إسهامه المباشر في تأسيس جزء من هذه الممالك ، إضافة إلى أثره في مد جسور التواصل والتقارب لهذه الممالك مع الدول الإسلامية الأخرى في شتى أرجاء العالم الإسلامي
فقد أشارت المصادر التاريخية القديمة والحديثة إلى أن الوقف الإسلامي احتل مكانة بارزة بين وسائل انتشار الدعوة الإسلامية في هذه البلاد . ويمكننا تقسيم مسيرة الوقف الإسلامي مع هذه الممالك ، وبالتالي أثره في نشر الإسلام فيها ، إلى ثلاث مراحل رئيسية على النحو التالي :
المرحلة الأولى : انطلاق الدعوة من المؤسسات الوقفية في البلاد الإسلامية :
يدخل في هذا القسم كل الأوقاف التي قامت في الحواضر الإسلامية في البلاد العربية التي كانت لها مساهمتها الكبيرة في نشر الإسلام في العمق الإفريقي ، كما نشرت الإسلام في جميع أرجاء المعمورة ، وخاصة تلك التي كانت قائمة في مصر وبلاد الحرمين وشمال إفريقيا، كأوقاف الحرمين والأزهر والقيروان ، وغيرها ، فقد استفاد الأفريقيون من هذه الأوقاف فائدة عظيمة كان لها كبير الأثر في انتشار الإسلام في ربوعهم ، واكتسابهم القيم والمبادئ الإسلامية الحميدة .
المرحلة الثانية : نشأة المؤسسات الوقفية في داخل الممالك التشادية :
إذا كانت الأوقاف في القسم الأول تمثل نقطة انطلاق لمسيرة الدعوة الإسلامية وانتشارها في داخل القارة الإفريقية ، فإن ذلك لا يعني أن حركة هذه الدعوة ظلت مرتبطة على الدوام بهذا المد الخارجي الذي يصل إليها من مراكز الدعوة المنتشرة في العالم الإسلامي ، فقد أصبح أبناء هذه البلاد بمجرد اعتناقهم الإسلام يسارعون إلى المساهمة في نشره بين أهلهم ومن حولهم ، كما يعملون على توفير الوسائل الكفيلة بفتح الطريق أمام حركة الدعوة الإسلامية ، حتى تصل إلى الناس كافة ، وعلى رأس هذه الوسائل إقامة الأوقاف الإسلامية لتكون سندا وعونا للدعوة والدعاة في هذه البلاد .
وقد أكدت الشواهد التاريخية أن هناك تناسبا مطردا بين العناية بالوقف الإسلامي ، وتفعيل دوره في نشر الدعوة الإسلامية وترسيخ دعائمها في الممالك الإفريقية ، وبين عظمة هذه الممالك ونموها وازدهارها ، فكلما تألق أحد الملوك في هذه الممالك الإفريقية الإسلامية وأشاد المؤرخون بإنجازاته، كلما كان لمؤسسات الوقف الإسلامي نصيب من اهتمامه وقسط من عنايته .
ومن هنا برز في تاريخ هذه الممالك عدد من الملوك والسلاطين الذين عنوا بتأسيس الأوقاف ورعايتها، وتوظيفها لخدمة الدعوة الإسلامية والنهوض بمجتمعاتهم ، من أمثال :
1- السلطان دونامة دبلامى ، في مملكة كانم ( 1221 – 1259 ).
2- السلطان إدريس ألوما ، سلطان مملكة كانم - برنو (1570 – 1602).
3- السلطان عبد الكريم بن جامع ،مؤسس مملكةوداي (1612– 1655م).
4- السلطان صابون محمد عبد الكريم ، سلطان وداي (1805-1813) .
كما تميز العمل الوقفي في هذه المرحلة بتنوع مؤسساته وتعدد مجالاته ، تمشيا مع حاجات السكان الروحية والاجتماعية والحضارية، حيث كانت بساطة الحياة في هذه الممالك، وسهولة العيش فيها، وخلوها من التعقيدات المادية والتكاليف الاقتصادية الباهظة، كلها عوامل أدت إلى أن تتركز حاجة المجتمع في تلك الفترة، على أنواع معينة من المؤسسات الوقفية، تتعلق بجانب العبادة والتعليم، وتلبية بعض الاحتياجات الاجتماعية البسيطة .
 ومن أهم هذه المؤسسات ما يلي :
‌أـ. المساجد .
‌بـ. المسيج .
‌جـ. الآبار.
‌دـ. مساكن الطلاب.
‌هـ. إقطاعات الملوك للعلماء " الوقف الذري " .
فهذه بعض الأوقاف التي قامت في الممالك الإسلامية التشادية ، وكلها تأتي في إطار المرحلة الثانية من مراحل العمل الوقفي ، ومساهمته في نشر الدعوة الإسلامية في منطقة تشاد وغيرها من المناطق الإفريقية عبر الممالك الإسلامية التي كانت قائمة فيها .
وهذه النماذج التي قدمناها تكفي لإعطاء صورة تقريبية عن مكانة الوقف الإسلامي في هذه الممالك الإسلامية ، وهي مكانة أشاد بها الكتاب والمؤرخون ، كما لخصها د.الدكو بقوله : (وكانت الهبات والأوقاف عادة في بلاد كانم ، وما زالت باقية في العصور الحديثة ، بل تكاد تكون تقليدا متبعا لدى عامة سلاطين غرب إفريقيا ) ([3]) .
المرحلة الثالثة : إنشاء مؤسسات وقفية لأبناء
هذه الممالك في حواضر العالم الإسلامي .
كان من نتائج انتشار الإسلام والحضارة الإسلامية في الممالك الإسلامية في منطقة تشاد، أن اتجهت هذه الممالك لمد جسور التواصل والتقارب مع الدول الإسلامية التي كانت سببا لوصول الدعوة الإسلامية إلى هذه الممالك الإفريقية ، واستنارتها بنور الإسلام ، وكما كان الوقف الإسلامي جسرا لوصول الدعوة الإسلامية إلى هذه البلاد ، فقد أدى دوره بجدارة في المرحلة الجديدة ، فكان من أهم الجسور التي ساهمت في تقوية التواصل بين الممالك التشادية ودول العالم الإسلامي .
وقد كانت المؤسسات الوقفية التي نشأت في هذه المرحلة نتيجة طبيعية لأداء الأوقاف المذكورة في المرحلتين السابقتين ، وتكميلا لهما ، فإذا كانت الأوقاف في المرحلة الأولى تمثل نقطة الانطلاق ومركز الإشعاع لنور الإسلام وإيصاله إلى داخل القارة الإفريقية والممالك التشادية، ومثلت المرحلة الثانية مرحلة الحضانة والتلقي لبذور الحضارة الإسلامية ، فقد جاءت أوقاف المرحلة الثالثة لتمثل مرحلة النضج وإبراز النتائج وإقامة جسور التواصل مع أبناء العالم العربي والإسلامي، وباختصار، دلت الأوقاف في هذه المرحلة على أن الحضارة الإسلامية في الممالك التشادية قد تجاوزت مرحلة الأخذ إلى مرحلة العطاء..
أما أهم الأوقاف التي أنشأها أبناء الممالك التشادية القديمة في حواضر العالم الإسلامي فتتمثل فيما يلي :
1- مدرسة ابن رشيق في مصر :
وقد أخذت اسمها من الشيخ علم الدين محمد بن رشيق ، شيخ المالكية في مصر ، لكونه أشرف على بنائها ، ثم تولى التدريس فيها .
ويذكر الدكتور فضل كلود الدكو أن بناء هذه المدرسة كان في عهد السلطان الكانمي دوناما بن دابالا "ت1259 م " ، وعند ما ازداد عدد الوافدين والمستفيدين من هذه المدرسة فقد ألحقوا بها منازل لسكنى الطلاب الدارسين ولإيواء الحجاج العابرين إلى الأراضي المقدسة ، والرجال الصوفيين الذين انقطعوا للعبادة ([4]).
2- رواق البرنو أو البرنية بجوار الأزهر الشريف :
يعرف هذا الرواق أيضا برواق التكرور ، وهو من الأروقة العديدة التي بنيت حول الأزهر الشريف لسكنى الطلاب الوافدين من البلاد المختلفة لتلقي العلم على أيدي المشايخ في هذا الصرح العظيم، حيث كانت كل طائفة من بلد ما ، إذا أحست بازدياد عدد أفرادها تبني لها رواقا يأوي إليه الوافدون من ذلك البلد ، ويكون تحت إشراف إدارة الجامع الأزهر .
وقد خصص هذا الرواق لسكن الطلاب من مملكة كانم – برنو وغيرها من بلاد غرب إفريقيا، الذين يؤمون منارة الأزهر ، ويتزودون من هذا المركز العظيم من المعارف والعلوم الإسلامية التي تؤهلهم لنشر العلم والدعوة الإسلامية في ربوع بلادهم .
3- رواق صليح في الأزهر الشريف :
ينسب هذا الرواق إلى السلطان صليح سلطان مملكة وداي الإسلامية (1747–1795م)، وكان له دور كبير في استقبال الطلاب القادمين من مملكة وداي ، وإعدادهم وتأهيلهم ، ليكونوا دعاة للإسلام ، ومنارات للعلم والمعرفة في بلادهم.
4- فندق تجار الكانم بمصر :
يعتبر هذا الفندق أو النزل من الأوقاف التي امتزج فيها الجانب التعبدي بالجانب الاقتصادي، حيث بناه السلطان تقي الدين عمر قد بنى هذا الفندق في مدينة الفسطاط على شاطئ النيل ، وأوقفه لسكنى تجار كانم الذين اتسع نشاطهم داخل الأراضي المصرية ، دعما لعلاقات التواصل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي التي تربط بين أبناء مصر وأبناء الممالك الإسلامية في منطقة حوض تشاد ([5]) .
وقد أصبح مقرا رئيسيا للحجاج الذين يتوجهون إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج والعمرة عبر الأراضي المصرية ، كما استفاد منه التجار الذين ينظمون القوافل التجارية بين مصر ووسط إفريقيا ، وساهموا في تقوية العلاقات الاقتصادية بين تشاد والدولة المصرية ، بل والعالم العربي والإسلامي أجمع .
5- أوقاف الممالك التشادية في بلاد الحرمين :
وجه سلاطين مملكتي كانم ووداي جزءا كبيرا من اهتمامهم وتفكيرهم إلى إقامة الأوقاف في بلاد الحرمين الشريفين ، نظرا لمكانتهما الكبيرة في نفوس المسلمين ، وكونهما مهوى أفئدة المؤمنين ، وغاية آمالهم ، ولذلك نجد عددا من هؤلاء السلاطين كانت لهم مساهمات في دعم العمل الوقفي للحرمين الشريفين . من أبرز هؤلاء السلاطين السلطان إدريس ألوما ( 1570 – 1602) ، الذي تذكر المصادر أنه عندما وصل إلى الحجاز لأداء فريضة الحج ، اشترى دارا وبستانا للنخيل في المدينة المنورة ، وترك هناك بعض الرقيق لخدمتها ، وقفا لله تعالى([6]). ويذكر الدكتور شلبي أن هذا السلطان بنى في مكة أيضا مقرا لحجاج برنو ([7])
والسلطان صليح الثاني سلطان مملكة وداي ، الذي ذكر المؤرخون أنه بنى أوقافا بمكة المكرمة والمدينة المنورة وبيت المقدس ([8]) .
* أهم النتائج المرتبة على إقامة هذه الأوقاف :
- من أهم النتائج لهذه الأوقاف أنها شكلت جسورا للتواصل بين شعوب منطقة السودان الأوسط والقارة الإفريقية كلها ، وبين شعوب العالم العربي والإسلامي الأخرى ، كما ساهمت هذه الأوقاف مساهمة فعالة في تقوية العلاقات وتدعيم التواصل بين هذه الممالك الإسلامية والحكومات التي كانت قائمة في مصر والحجاز ، وخاصة في العهد المملوكي في مصر ، الأمر الذي ساعد على نشر الدعوة الإسلامية وسهولة انسيابها إلى داخل القارة الإفريقية بيسر وسهولة ، وترسيخ معالم الحضارة الإسلامية في هذه البلاد .
- أدت إلى تعريف العالم العربي بأوضاع هذه البلاد الإفريقية وشجعت كثيرا من العلماء والباحثين من الدول العربية على زيارة هذه البلدان والتعرف على أحوالها ، وتسجيل بعض العادات والتقاليد التي كانت تتميز بها، حتى أصبحت مؤلفات هؤلاء الباحثين والرحالة العرب ، من أمثال البكري وابن بطوطة وغيرهم ، تمثل المرجع الأساسي الذي استفاد منه الباحثون الغربيون الذين كتبوا عن تاريخ هذه البلاد فيما يسمى بالعصور الوسطى .
- يسرت هذه الأوقاف لأبناء البلاد الإفريقية سبيل السفر إلى الأراضي المقدسة لأداء مناسك الحج والعمرة ، حيث أتاحت لهم أماكن للنزول والراحة والاطمئنان ، سواء في منتصف الطريق بالأراضي المصرية ، أو عند وصولهم إلى أرض الحجاز .
- كما كان للأوقاف دورها الكبير في مؤازرة التجار الذين ينظمون القوافل التجارية بين مصر وشمال إفريقيا من جهة، وإفريقيا جنوب الصحراء، من جهة أخرى، وساهمت بذلك في تقوية العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين الممالك التشادية وسائر العالم العربي والإسلامي.
- أسفرت هذه الأوقاف أو المراكز العلمية التي أقامها هؤلاء الملوك والسلاطين ، عن تخريج كوكبة من العلماء البارزين الذين هاجروا إلى الأزهر الشريف وغيره من مراكز العلم في الحواضر الإسلامية ، طلبا للعلم والمعرفة ، وأقاموا مدة كافية في ظلال هذه الأوقاف إلى أن تحصلوا على قسط وافر من التعليم، ومن ثم عادوا إلى بلادهم مزودين بالعلم والمعرفة، وساهموا في النهضة العلمية التي شهدتها هذه الممالك القديمة، ولا زالت دولة تشاد الحديثة تستلهم مجدها وتراثها وتاريخها وحضارتها من المؤلفات والآثار التي خلفها أولئك العلماء الذين تخرجوا في مدارس الوقف الإسلامي ، من أمثال الشيخ عبد الحق السنوسي الترجمي ، والشيخ محمد الأمين الكانمي، والشيخ محمد عليش عووضة وغيرهم.
فهذه صورة عامة عن تطور مسيرة الوقف الإسلامي وإسهاماته المتنوعة في تاريخ الممالك التشادية القديمة ، أسلمة وتأسيسا ، وتمدينا وتثقيفا وتواصلا مع العالم الإسلامي ، وغير ذلك من الجوانب التي عالجها هذا البحث .
________________________________________
([1] ) رواه البخاري، باب الشروط في الوقف، رقم 2532، ورواه مسلم، باب الوقف، برقم 3085، ورواه باقي الستة في سننهم.
([2] ) رواه مسلم ، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، رقم 3084.
([3] ) الدكو ، د / فضل كلود : الثقافة الإسلامية في تشاد في العصر الذهبي لإمبراطورية كانم، أطروحة دكتوراه، منشورات كلية الدعوة الإسلامية العالمية – طرابلس ، 1998م ، ص 205 .
([4] ) الدكو ، د / فضل كلود ، مرجع سبق ذكره ، ص ص 109 و 236 .
([5] ) لبيب ، د / صبحي : التجارة الكانمية وتجارة مصر في العصور الوسطى ، المجلة التاريخية المصرية ، المجلد الرابع ، العدد 2 ، 1952 م ، ص 5 .
([6] ) الحسناوي ، حبيب وداعة : الحج وأثره في دعم الصلات العربية – الإفريقية ، أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء، ط 1، 1999، منشورات كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس– الجماهيرية الليبية، ص 97 .
([7] ) شلبي، د / أحمد : موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 6 ، ط 4 ، 1983 م ، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ، ص 294 .
([8] ) أيوب ، د / محمد صالح: الدور الاجتماعي والسياسي للشيخ عبد الحق الترجمي في دار وداي ( 1853-1917م )، ط1 ، 2001 ، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ، طرابلس - ليبيا ، ص 132 .

  
جميع الحقوق محفوظة 2008