- الصفحة الرئيسية - الاختيارات
الشيخ عليش عووضة رائد النهضة الثقافية بتشاد
 
الكاتب بشير عربي بشير
اختيار المشرف العام على الموقع
ملخص البحث
عنوان البحث : الشيخ عليش عووضة رائد النهضة الثفافية بتشاد
اهمية البحث: يسعى البحث لابراز بعض نتائج و اثار انتشار الاسلام في تشاد و كيف انه احدث نقلة نوعية في المجتمع التشادي ممارسة و سلوكا و توجها حضاريا
منهج البحث: اعتمد البحث على المنهج التاريخي و المنهج الوصفي الذي يجمع المعلومات و يعكف على دراستها و تحليلها بغية الوصول الي نتائجز
ادوات البحث: اعتمد البحث على الوثائق المكتوبة كادوات للمنهج التاريخي
اهداف البحث:
- سيسعى البحث لابراز بعض اثار و نتائج انتشار الاسلام في تشاد
- سيهتم البحث لالقاء الضوء على الجهود التي قام بها الشيخ عليش عووضة للنهوض بالثقافة الاسلامية بتشاد من خلال النكبة التي اصابتها بحادية الكبكب من خلال مؤسسة عصرية مكملة لدور المؤسسات التقليدية
- سيسعى البحث الي تاكيد ان مواقف الاستعمار من الاسلام هي هي لا تتغير على مر العصور
- سيؤكد البحث ان علماء المسلمين و مؤسساتهم التعليمية تشكل خطرا كبيرا على الاستعمار قديما و حديثا

محتويات البحث: يشتمل هذا البحث على ثلاثة مباحث و تهدف الي تعريف الاخوان المشاركين في هذا المؤتمر بالجهود الثقافية المبتكرة للشيخ عليش عووضة و التي قام بها بعد عودته الي بلاده عام 1946م من القاهرة بعد اكمال دراسته بجامعة الازهر الشريف و انشائه لمعهد علمي بمدينة ابشه على غرار المعاهد العلمية في كل من امدرمان و الازهر عكس رغبات الاستعمار الفرنسي بتشاد

المبحث الاول : سيتناول هذا المبحث جذور الثقافة الاسلامية بتشاد و التي من دعائمها قيام ثلاث سلطنات هي كانم برنو و وداي و باقرمي بجانب تعرض العلاقات الثقافية لهذه السلطنات بالعالمين العربي و الاسلامي
المبحث الثاني: سيركز هذا المبحث على غزو فرنسا لتشاد و سياساتها العدائية للثقافة و الحضارة الاسلامية اللتين كانتا تسودان تشاد عموما و السلطنات الثلاثة و خاصة وداي و سيتعرض هذا المبحث ايضا لمذبحة الكبكب التي حدثت عام 1917م واغتال فيها الفرنسيون اكثر من 400 عالم في ابشة و ما جاورها
المبحث الثالث: اما المبحث الثالث و الاخير فسيهتم بالحديث عن اصول الشيخ عليش عووضة والمراحل الدارسية التي مر بها و الجهود الثقافية التي قام بها و ردود الفعل العدائية من قبل السلطات الفرنسية بتشاد تجاه كل من الشيخ عليش عووضة شخصيا و معهده حيث قامت بنفيه الي السودان و اغلقت المعهد عام 1952م

المبحث الاول : جذور الثقافة الاسلامية بتشاد
ساهمت عدة عوامل في تقوية جذور الثقافة الاسلامية بتشاد ، فعززتها و رعتها الي ان اصبحت شجرة باسقة يانعة الثمار، اصلها ثات و فرعها في السماء .
لكن قبل تناول هذه العوامل يجدر بنا اعطاء لمحة عن الموقع الجغرافي الاستراتيجي لتشاد
تقع تشاد في وسط القارة الافريقية ما بين خطي عرض22.8 درجة شمال خط الاستواء و خطي طول 24.16 درجة شرق خط غرينتش ، و تحدها من الشرق جمهورية السودان، و من الغرب جمهوريتا النيجر و نيجيريا و من الجنوب الغربي جمهورية الكمرون و من الجنوب جمهورية افريقيا الوسطى ، و من الشمال الجماهيرية العربية الليبية، و تبلغ مساحتها حوالي 1.284.000 كجم مربع ، و يقدر عدد سكانها بحوالي 7 ملايين نسمة ، 85% منهم مسلمون و 5% مسيحيون و 10% وثنيون و المذهب السائد فيها هو المذهب المالكي ، و الطريقة التجانية هي السائدة بتشاد(1)
العوامل التي ساهمت في تقوية جذور الثقافة الاسلامية بتشاد:

أ-الموقع الاستراتيجي: لا شك ان الوضع الجغرافي الاستراتيجي المتميز لتشاد في قلب القارة جعلها معبرا للقوافل التجارية التي تصل شرق القارة بغربها و شواطئ المتوسط بالصحراء الكبرى بداخل القارة.
وكان من جراء ذلك ان شهدت هجرات واسعة وفدت اليها و لعل اهم هذه الهجرات تلك التي اعطت هذا الاقليم ملامحه المتميزة (2) و توجهاته الحضارية و الثقافية كذلك الهجرات التي وفدت من وادي النيل شرقا و بلاد المغرب و فزان شمالا حاملة معها الدين الاسلامي و اللغة العربية بدءا من القرن الاول الهجري ( السابع الميلادي ) وقد تبلورت مؤثرات هذه الهجرات بشكل واضح في تاسيس سلطنات اسلامية ابتدءا من القرن الحادي عشر الميلادي (السابع الهجري)(3) و التي احدثت تحولا نوعيا ممارسة و سلوكا و توجها حضاريا في المجتمع التشادي الذي كانت تسوده المعتقدات الوثنية الاحيائية و تعدد الالهة التي كانت تعبد من دون الله.
و باختلاط المهاجرين بالوطنيين ومصاهرتهم تحول هذا المجتمع تدريجيا الي سلطنات اسلامية بتشاد هي كانم برنو و باقرمي و وداي.

ب - سلطنة كانم برنو: ينقسم تاريخ سلطنة كانم برنو الي عصرين ، العصر الكانمي و يمتد من قيام السلطنة شرقي بحيرة تشاد عام 800 م الي نهاية القرن الرابع عشر الميلادي
والعصر البرناوي يبدأ من انتقال الاسرة الكانمية الي غرب بحيرة تشاد اثر الاضطرابات و الحروب الاهلية في اواخر القرن الرابع عشر الي نهايتها في غمرة الاستعمار الاوروبي(4)
وقد بلغت ذروة عهدها في العهد الكانمي خلال القرن الثالث عشر الميلادي و في العهد البرناوي في القرن السادس عشر تم بدا التدهور و الانحطاط يجدان طريقهما اليها منذ بداية القرن السابع عشرالميلادي(5)
تشير بعض المصادر التاريخية الي ان بعض الجنود الامويين وصلوا الي برنو من اليمن في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز و اسسوا سلطنة فيها.
اما دكتور الماحي فيشير الي ان الاسلام دخل منطقة حوض بحيرة تشاد من فزان الذي فتحه المسلمون في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد نافع بن عبد القيس الفهري.
و هنالك اشارات الي ان بعض العلماء و الدعاة الذين قاموا بالدعوة الي الاسلام في كانم امثال ابي زيد الفزاري (7) و محمد بن ماني الذي اسلم على يديه السلطان اومي جلمي (1097-1086م ) و باسلامه اصبح قصره مدرسة للعلم (8) و بانتقال الاسلام من المستوى الشعبي الي المستوى الرسمي تبني سلاطين كانم برنو الشريعة الاسلامية في كافة جوانب الحياة الاقتصادية و السياسية و الادارية والاجتماعية.
و اصبحت اللغة العربية لغة رسمية للدولة و لغة مكاتباتهم الدبلوماسية و لغة تدريس حيث شجع السلاطين العلماء و منحوهم كثيرا من الامتيازات بمراسيم رسمية و جلسوا للدراسة بينهم (9)
نلاحظ هنا ان بقيام السلطنة واتخاذ الشرعية منهج حياة و تبنى السلاطين للعلم و العلماء الذين لعبوا دورا هاما في نشر الثقافة الاسلامية بالسلطنة.
و ينسب تاسيس مملكة كانم برنو الي السيفيين نسبة الي سيف بن يزن اليمني(10)

ج- سلطنة باقرمى: تقع سلطنة باقرمى في الجنوب الشرقي لسلطنة كاثم برنو و يعتبر انتشار الاسلام في المنطقة على يد مجموعة من الاخوة جاءوا من اليمن في اواخر القرن الخامس عشر سببا مباشرا في قيام هذه السلطنة التي تبنت الشريعة الاسلامية و نشرتها في ربوعها و برذ العديد من العلماء الذين ستاتي على ذكر نماذج منهم اثناء هذا البحث انشاء الله.
ازدهرت هذه السلطنة لكنها تدهورت بسبب الحروب بينها و بين سلطنة وادي من جانب و بينها و بين سلطنة كانم برنو من جانب ثاني(11) و بينها و بين رابح فضل الله من جانب ثالث.

د- سلطنة وداي: يبدأ تاريخ سلطنة وداي الحديث من عام 1615م حسب بعض المصادر التاريخية و لكنها تأسست في حوالي القرن العاشر الميلادي على يد النيجر و في القرن العاشر الميلادي استطاع الفقيه عند الكريم بن جامع (1615- 1655 م) الاستيلاء على مقاليد السلطة بالسلطنة بمساندة من بعض القبائل بالمنطقة فنشر الاسلام و اللغة العربية و الثقافة الاسلامية و استمر النظام الذي اسسه في عقبه الي ان احتل الاستعمار الفرنسي مدينه ابشه (12) عاصمة وادي كما سنرى في حديثنا عن الغزو الفرنسي لتشاد في المبحث الثاني.
و تشير المصادر التاريخية الي ان الشيخ عبد الكريم بن جامع جاء من منطقة شندي بسودان وادي النيل (13)
جدير بالاشارة ان هنالك قاسم مشترك اعظم بين هذه السلطنات الثلاث هو انها تبنت الاسلام شرعة ومنهاجها و ان سلاطينها بذلوا جهودا عظيمة في نشر الدعوة الاسلامية و اتخذوا اللغة العربية لغة رسمية للدولة و لغة تعليم ، بل شجعوا العلماء على التدريس و تعليم المواطنين في قصورهم او خارجها في مؤسسات تعليمية سناتي على الحديث عنها و لهذا يعد قيام السلطنات الاسلامية عاملا من عوامل تمتين و تقوية جذور الثقافة الاسلامية بتشاد.

هـ- مؤسسات التعليم بتشاد: تعد المؤسسات التعليمية بتشاد عاملا هاما في نشر الثقافة الاسلامية و اهم هذه المؤسسات.
1.المسجد: كان المسجد من اهم دور التعليم في تشاد لانه كان مصدر الاشعاع الحضاري لدى المسلمين منذ ظهور الاسلام و هو بمثابة منارة للعلم و الدين.
ولعل السبب في ان المسجد من اهم دور التعليم الاولى هو ان الدراسات الاسلامية في صدر الاسلام كانت دراسات دينية تشرح تعاليم الدين الجديد و توضيح اسسه و احكامه و اهدافه الي ان اتخذه المسلمون مكانا للعبادة و معهدا للتعليم و دارا للقضاء و ساحة تنطلق منها الجيوش و مكانا لاستقبال السفراء و رسل الملوك و رؤساء القبائل في العهود الاولى للاسلام (14) و ربما يكون علماء تشاد تأسوا بالرسول صلى الله عليه و سلم و صحابته اتخذوا المسجد مكانا للتعليم.
و قد اشار البكري الي كثرة المساجد و ذكر بانه كان يوجد حوالي اثنا عشر مسجدا بمدينة و احدة وهذا ما فسرته كثرة الفقهاء و العلماء و الطلاب(15)
2-المسيج (الخلوة) : و بعد المسجد ياتي دور المسيج و هو بمثابة خلوة قرانية يقوم مقام المسجد في القرى الصغيرة و منازل البدو و في بعض الحارات في المدن الكبيرة و هو مكان للذكر و حفظ القران و يجلس فيه المعلمون ( الشيوخ) لتلقين الناس كبارا و صغارا القران الكريم و علوم الفقه و التوحيد و قواعد اللغة العربية(16)
و يجتمع فيه حكماء القرية و عقلاء القوم احيانا للتشاور في الامور الهامة و فض النزاعات و الخصومات بين القبائل و فيه ايضا تقام الصلوات الخمس
و يؤدي المسيج نفس الدور الذي تؤديه المدرسة و الكتاب في بلاد المشرق الاسلامي (17)
3-منازل العلماء و قصور السلاطين: تمثل منازل العلماء و قصور الحكام عاملا هاما من عوامل تدعيم جذور الثقافة الاسلامية بتشاد اذ كان كثيرا من علماء تشاد يلقون دروسهم على تلاميذهم في منازلهم خاصة في الاماكن التي تقل فيها المساجد ، او لعدم تمكين هؤلاء العلماء بناء اماكن خاصة للتعليم و متى ما وجد المسجد توجد مدرسة بجواره لتعليم ابناء المسلمين مبادئ القران و العلوم الدينية و اساسيات العبادات و يلتحق الطلاب الذين لم يتمكنوا من الدارسة في المساجد او المسيج لتلقى الدروس بمنازل العلماء (18)
و من السلاطين من اتخذ لنفسه و ابنائه معلمين يقومون بتدريسهم في قصورهم منهم السلطان اومي جلمي (1086 – 1907م ) بسلطنة كانم الذي تتلمذ على الشيخ محمد بن ماني و قد اصدر بعض السلاطين المحارم و المراسيم يوصون فيها الامراء و الحكام بعدم الاعتداء على املاك العلماء او فرض الضرائب عليهم و يوصي ايضا بورثته من بعده و يمنحون الاراضي للتعيش (19) منها تقديرا لعلمهم و ما يقومون به من توعية و تثقيف المواطنين و نشر الدعوة.

هذه نماذج لبعض المؤسسات التعليمية بتشاد و التي ساهمت في تقوية جذور الثقافة الاسلامية و انتشارها بالبلاد و كانت لهذه المؤسسات مناهج للتدريس يتلقاها الدارسون و طرق و اساليب تدريس يتبعها المعلم و الشيخ في التدريس

و- مناهج و اساليب التدريس بتشاد: يختلف المنهج الدراسي من مؤسسة الي مؤسسة في تشاد، الا ان اطاره العام يشتمل على اعطاء الطالب في البداية دروسا في القراءة و الكتابة على الالواح و هي عبارة عن مختارات من القران الكريم يبدأ بالسور القصار ثم يتدرج الي السور الطوال خاصة في المرحلة الاولى ثم يرجع من السور الطوال الي السور القصار و يركز المعلمون على تحفيظ الطلاب شيئا من القران في سن مبكرة و هنالك طلاب نبهاء يحفظون القران في مراحله الاولى ثم يأتي بعد ذلك منهج مخصص لعلوم القرءان كالتجويد (20)
و لكن عندما يقطع الطالب شوطا في علوم القران ينتقل الي الفقه الاسلامي و يدرس العشماوي و الاخضري و رسالة ابي يزيد القيرواني الي ان يصل الي مختصر خليل و فيهم من يصل الي مدونة مالك ثم يدرسون الحديث فيقراون الاربعين النووية ثم ابي جمرة ثم رياض الصالحين الي الصحاح الستة و في التفسير يقراون تفسير الجلالين ثم تفسير ابن عباس و في مجال اللغة العربية تدرس الطالب النحو و علوم العربية المختلفة كالادب و بعد ان يصل الطالب الي مستوى عال من التعليم يكون حرا في اختيار العلوم التي يريد التخصص فيها و له حرية التنقل لاختيار الشيخ الذي يتقن تلك العلوم او يرحل الي المراكز الثقافية بالبلدان الاسلامية خاصة المعاهد الدينية بالسودان و القيروان و فاس والازهر و الحجاز(21)
و هنالك اساليب للتدريس منها التلقين حيث يقوم المعلم او الشيخ بتكرار الدرس على تلاميذه حتى يتاكد من حفظهم و يتبع هذا مع المبتدئين خاصة في حفظ القران الكريم.
بجانب هذا الاسلوب هنالك اسلوب اخر هو العرض خاصة في علوم الحديث النبوي الشريف حيث يقرا التلميذ ما حفظه على الشيخ عن ظهر قلب او من كتاب او او من لوح (22) و ياتي هذا الاسلوب بعد اسلوب الكتابة الذي اشرنا اليه من قبل.
و يستشهدون باشعار الغرب في اهمية الحفظ و قد جاء في ذلك :
بعض الابيات الشعرية مثل:

ليس بعلم ما حوى القمطر                                  ما العلم الا ما حواه الصدر
اذا لم تك حافظا
واعيا                                      فجمعك للكتب لا ينفع
أأحضر بالجهل في
مجلس                                  و علمي في  الكتب مستودع
و جاء عنهم ايضا:
استودع العلم قرطاسا فضيعه           و بئس مستودع العلم قراطيس(23)


ز-مراكز الحضارة ببلدان العالم الاسلامي : لعبت مراكز الحضارة الاسلامية بالعالم الاسلامي دورا هاما في نشر الثقافة الاسلامية و تقوية جذورها بتشاد، و ذلك من خلال الخريجين الذين درسوا بكل من الحجاز بالحرمين الشريفين، او بالازهر او بالمغرب و تونس و بالزيتونة و القيروان او بمعاهد سودان وادي النيل او طرابلس و فزان و قد ساهم السلاطين في تشجيع طلاب العلم بالسفر الي هذه المراكز للدراسة فيها حيث هيئوا النزل و الرواق كمدرسة بن رشيق بمصر و رواق صليح و كثير من النزل و الاوقاف بالحرمين الشريفين(24)
تخرج في هذه المراكز عدد كبير من الطلاب اصبحوا علماء في تشاد و نشروا الثقافة الاسلامية فيها و سنأتي على ذكر عدد منهم.

ح-نماذج من مشاهير علماء تشاد
1. محمد البكري الكانمي: هو الشيخ العلامة المتفنن الفهامة شيخ الشيوخ ذو الفهم والرسوخ ، الشيخ محمد البكري، اخذ العربية و البلاغة في مدينة (جندوت) في الاقليم الشرقي ببلاد الهوسا ثم عاد الي كاثم و تصدر العمل بالتعليم و بعد فترة انتقل الي الشيخ النجيب التكداوي للاستزادة من العلم و ظل يمارس التدريس و الارشاد بكانم الي ان توفي عام 905هـ.
و من تلاميذه الشيخ النجيب محمد بن سليمان القولاني الاصل الباقرمي الموطن ، و الشيخ الطاهر بن ابراهيم الفولاتي و الشيخ ابن اجروم الباروكوم (25)
2.ابوبكر الباركوم: هو الشيخ ابو بكر الطاهر بن ابراهيم الباركوم من علماء كانم، كان عالما بالمنقول و المعقول ، صالحا تقيا ورعا نشا بمنطقة تدعى( بذات البقر ) و تنقل بين مدن غرب افريقيا طلبا للعلم ، تتلمذ علي يد الشيخ البكري انف الذكر مارس التدريس و التوجيه و من مؤلفاته :
1) كتاب الدر الموامع و منار الجوامع في علم التصريف
2) و نظمه على الحكم
3) و نظمه على السنوسية الكبرى
4) و شرح السنوسية
و له عدة قصاشد في تصح الامراء و الحكام ، استقدمه احد سلاطين كانم الي قصره و اسكنه بجواره و بني له دارا و ولاه ارضا يعيش من ريعها.
و في ذات يوم اراد الدخول الي قصر السلطان فمنعه البواب فانشد قائلا (26)
تركت باب لابعد مسافة         و ابيت بابا سده البواب
و في قصيدة اخرى وصف اهل كانم بالظلم و القهر قائلا:
ان كانورين كانوا       اهل قهر و اعتلاء
الاراجيف لديهم         كاراجيز الثناء
والاساطير اليهم        من اساطين البناء

3.احمد بن فرتوا: احمد بن فرتوا هو مؤرخ البلاط في عهد السلطان ادريس الوها(1570-1603م ) توفي عام 1583 اهتم بالكتابة عن الجانب الحربي و سجل بدقة الغزوات الحربية لاعظم سلاطين كانم ترنو و هو ادريس الوها و افرد لذلك كتابا غطي فترة الاثني عشر سنة الاولى (27) من عهد السلطان ادريس الوما و له كتاب اخر بعنوان (الحرب بين كانم و قبائل البلالا) و قد ترجم هذين الكتابين الي الانجليزية المستشرق الانجليزي ريتشمون بالمر و نشرهما عام 1926م و الكتابان من اهم المصادر التاريخية في تاريخ كانم الاسلامي (28)

4.محمد الوالي : هو الشيخ محمد الوالي بن سليمان ، تبحر في العديد من العلوم الشرعية و له باع طويل في الشعر تتلمذ على الشيخ البكري انف الذكر (29) و قد الف تواليف عديدة تدل على غزارة علمه ومن مؤلفاته (المنهل) في علم التوحيد (30) و كتاب " الدراسة لقراءة النقاية " بجانب قصائد شعرية في التصوف و النصح و الارشاد.
و قد جاء نونيته في النصح قوله
اوصيكم يا معشر الاخوان عليكم بطاعة الديان * و انما غنيمة الانسان شبابه و الخسر في التواني
و قد دفن كل من الشيخ محمد الوالي والده الشيخ سليمان في (ابقار) التابعة لسلطنة باقرمي و يزار قبراهما حتى يومنا هذا (31)
5.الشيخ عمرو لديدة : تعود اصوله الي منطقة (بيدري) لسلطنة باقرمي و هنالك من يرى انه ولد في برنو عام 939هـ و بعد قراءة القرءان خرج في طلب العلم في موريتانيا ثم انتقل الي تمبكتو و نبغ في العلوم الدينية ثم رجع و استقر في سلطنة باقرمي ، و اجتمع بالشيخ حسن بن الجرمي المشهور( بولي الجرمي) و اخذا يدعوان للاسلام ، توفي عام 1009م و ترك تلاميذه نجباء حملوا راية الدعوة الي الاسلام من بعده (32)
6.الامام جزولي حبيب: من العلماء الاجلاء يابشه ، هنالك رواية تقول بانه ولد بمدينة الشه و اخرى ترى انه ولد بمدينة ديكوا بنيجيريا بولاية برنو. حفظ القران عند والده حبيب ، ثم تنقل ببعض مدارس العلم ثم هاجر الي مدينة فاس و درس في جامع القرويين بالمغرب ثم جامع الزيتونة بتونس كما فعل والده من قبل و تخرج فيها بتفوق في جميع العلوم الشرعية كالفقه المالكي و التفسير و الحديث و التوحيد و علوم البلاغة ثم عاد الي ابشه و جلس للتدريس و نشر التعاليم الاسلامية و عين اماما للجامع الكبير و مستشارا للسطان و شيخا للعلماء
كان رجلا تقيا ورعا عالما عاملا بعلمه، صالحا عادلا صادقا نشيط الي ان وافته المنية (33)

7.الشيخ سليمان بن محمد الباقرمي: الشيخ سليمان بن محمد الباقرمي من شيوخ سلطنة باقرمي انتقل بعد دراسة القران ببلاده الي الازهر الشريف و توفر على فقه الشافعية و الف مجموعة من الكتب اهمها (التجريد) و (تحفة الحبيب) توفي بالقاهرة عام 1806م
(34)
8.الشيخ عبد الحق السنوسي: ولد الشيخ عبد الحق السنوسي عام 1853م بقرية ترجم التابعة لمدينة ابشه في اسرة مشهود لها بالعلم فقد درس جده يعقوب ابو كويسة بالمغرب و جده ادريس والد يعقوب درس في الازهر الشريف و من شيوخه الباجوري نشأ الشيخ عبد الحق و ترعرع في هذه البيئة العلمية وتعلم القران و العلوم الشرعية من والده و بذ نظراءه في المناظرات درس الفقه عن جده الوالي و الشيخ الجزولي و الشيخ ابي راس بمنواشي ثم سافر الي الازهر و بعد تخرجه زار الاراضي المقدسة ثم عاد الي بلاده في عهد السلطان يوسف (1874- 1899م ) (35) كانت له اراء جريئة في مهادته الفرنسيين عند غزوهم لتشاد جلبت له عداوة مع السلطان دود مرة الذي اودعه السجن بخصوصها لمدة عامين الي ان اطلق سراحه السلطان محمد اصيل. و للشيخ عبد الحق السنوسي اثار علمية في الشعر و كتب مثل ( تاريخ سلطنة وداي) و ( تبصرة الحيران من هول فتن الزمان) و(ديوان المدائح النبوية و الصوفية ) و ( رسالة الكنز المدخر) و غيرها (36
اغتاله الفرنسيون ضمن اكثر من 400 عالم في حادثة الكبكب عام 1917 بوداي.
و هنا نذكر بعض نماذج من اشعاره
فقد قال في رثاء شيخه محمد ادم ابي راس:
اضحى مريضا فؤادي ناكسي الراس                     يبكي لفرقة احبابي و جلاسي
تشتيتهم شتت الحاجات من
املي                          و شتت النوم من عيني بافلاسي
و ذكر في نونيته التي يصف
فيها رغد العيش في عهد السلطان يوسف
و امرر على السوق القديم
وقف بنا                       نبكي ليالي يوسف السلطان
ايام كان اللهو ديني
والهوى                              شغلي ولا لي لائم او شان
و العيش ارغد بين انس
غزائل                           و اسود غاب لي من الخلان
اكرم به ملكا عهدت
كانه                                 بدر توسط هالة السودان(37)

هكذا انتشرت الثقافة الاسلامية بتشاد و قويت جذورها من خلال العوامل التي اتينا على ذكرها الامر الذي ساهم في ان تسود الحضارة والقيم الاسلامية منطقة بحيرة تشاد و سلطناتها قبل مجيئ الاستعمال الفرنسي بحضارته الغربية و ثقافته المادية.

المبحث الثاني : الغزو الفرنسي لتشاد .
لقد ساهمت عدة عوامل داخلية و خارجية في الغزو الفرنسي لتشاد.
اهم العوامل الخارجية هو مؤتمر برلين 1884-1885م الذي القى الحبل على القارب للدول الاوروبية الاستعمارية لتقسيم القارة الافريقية بينها بجانب هذا فان بعض المستكشفين الذين ابتعثتهم الدول الاوروبية لاسباب علمية في ظاهرها و دبجوا التقارير عن الاحوال الاجتماعية و السياسية و الادارية لبعض الدول الافريقية و بينوا نقاط الضعف و القوة مما اعطى الفرصة للدول الاستعمارية لوضع الخطط للاننقضاض على افريقيا في الوقت المناسب و نهب خيراتها

هنالك عوامل خارجية اخرى تمثلت في الصراع الاوروبي حول مناطق النفوذ بافريقيا ، مما حدا بها الي عمل تسويات و موازنات بينها لتحديد مناطق نفوذ كل دول كما حدث بين فرنسا و بريطانيا في الصراع حول حوض النيجر، و ايضا صراعهما حول بحر الغزال و بحر العرب و دارفور بعد احتلال مارشان لفشوده عام 1898م فقد تمت تسوية الامر بتنازل فرنسا لبريطانيا عن المناطق المذكورة بالسودان مقابل اعطاء الحق لفرنسا للتوسع في شمال و شرق بحيرة تشاد(38)
و قد ارضت هذه التسوية طموحات فرنسا في ربط مستعمراتها بغرب افريقيا ببحيرة تشاد

اما اهم العوامل الداخلية التي ادت الي الغزو الفرنسي لتشاد يمكن اجمالها في الضعف الداخلي الذي اصاب السلطنات الاسلامية بتشاد بسبب الحروب فيما بينها كما حدثت بين وداي و كانم، و وداي و باقرمي من جهة و باقرمي و كانم برنو من جهة اخرى(39) و في نفس الاطار لعبت اتفاقية الحماية التي وقعها السلطان عبد الرحمن قورنق الثاني مع مفوض الحكومة الفرنسية اميل جنتيل في العاصمة الباقرماوية ماسينا عام 1897م لعبت دورا كبيرا في اتاحة الفرصة لفرنسا لتدخل في تشاد (40) و من جانب وداي لجأ محمد اصيل مع بعض انصاره من ابشه الي انقره و تحالف معهم التماسا للحماية ، هذا التصرف ايضا ساهم في اضعاف الجبهة الداخلية بوداي (41)
يضاف الي هذه العوامل الداخلية استشهاد رابح فضل الله في معركة كسرى بالكمرون الحالية عام 1900م بعد كفاح مستمر ضد الفرنسيين لاكثر من عشرين سنة
علي الرغم من مساهمة كل هذه العوامل الخارجية و الداخلية في تعبيد الطريق للاستعمار الفرنسي لغذو تشاد الا ان احتلال تشاد لم يكن سهلا نسبة للمقاومة الوطنية التي تصدت للغزاة و المستعمرين.
المقاومة الوطنية ضد الفرنسيين:
قررت فرنسا منذ عام 1908م الاستيلاء على سلطنة وداي فقام الفرنسيون باستدعاء محمد اصيل الذي فر من نشه كما اشرنا سالفا للاستعانة به في اسقاط السلطان دود مرة (42) الذي استولى علي العرش لكنهم واجهوا مقاومة عنيفة و لم يتمكنوا من دخول ابشه الا عام 1909م.
و في اطار مقاومة الفرنسيين لجأ السلطان دودمرة الي المناطق المجاورة و سانده الكثير من ابناء وداي بجانب السنوسيين و السلطان تاج الدين سلطان المساليت بالخبينة و السلطان محمد السنوسي سداركوتي و السلطان علي دينار سلطان دارفور عام 1909م.
و من المعارك التي الحق فيها المقاومون الهزيمة بالفرنسيين ، معركة بيرطويل حيث قتل القائد الفرنسي ( فنشييك) و العديد من جنود فورا لابلاغ الامر باشه فارسلت تقريرات من فرنسا بقيادة مول لكنه قتل في معركة دروتي بدار مساليت(43)
لم تنحصر المقاومة في هذه المناطق فقط بل انتشرت في مناطق اخرى و بقيادات وطنية كالقيصر بروفي باراضي سلامات الذي استشهد في ام التيمان و كذلك تصدى عقيد المحافيمد محمد بشارة للفرنسيين في منطقة دكوشي بالبطحة برغم من قوات السنوسيين حتى استشهد (44)
تجدر الاشارة الي ان السلطان تاج الدين سلطان السماليت قد استشهد في معركة دورتي بدار مساليت عام 1910م و ايضا استشهد السلطان محمد السنوسي سلطان داركوتي عام 1911 م في منطقة انديلا بعد كفاح شديد و مقاومة باسلة بجانب السلطان دودمرة سلطان وداي الذي استسلم بعد استبسال من عام 1902م -1911م ، و اخذ اسيرا ثم نفي الي فورتلاني حيث قضى بقية عمره فيها (45)
بعد ذلك بدات مناطق وداي تسقط تدريجيا في يد الفرنسيين، و في عام 1912م تم عزل السلطان محمد اصيل الذي عينه الفرنسيون بدلا عن السلطان دود مرة ، و لم يخلفه احد في العرش حتى عام 1935حيث عين السلطان محمد عرابة سلطانا على وداي من قبل الادارة الفرنسية بعد عودته من البعثة الدراسية التي قضاها في برازفيل ، الا انه مات مسموما في عام 1946م بسبب افكاره المناهضة للفرنسيين .(46)
بعد هذا الحديث عن المقاومة ننتقل عن الحديث عن سياسات فرنسا بتشاد بعد احتلالها.
السياسات الفرنسية بتشاد بعد احتلالها
عند غزو فرنسا وإحتلالها لتشاد، وجدت سلطنات إسلامية قائمة سادتها حضارة وثقافة إسلامية وبها مؤسسات إدارية وقوانين إدارية تنظم شئون الحياة في كافة جوانبها مستمدة من الشريعة الإسلامية بجانب مؤسسات تعليمية دينية يديرها علماء أجلاء ساهموا في تدعيم جذور الثقافة الإسلامية بتشاد.

جاءت فرنسا وهي تحمل معها مفاهيم حضارية مادية وثقافة غربية نابعة من الحضارة الفرنسية التي يعتقد الفرنسيون أنها تفوق جميع الحضارات، لذا يجب فرضها على بقية الشعوب، خاصة في مستعمراتها التي أخضعتها بأفريقيا.
تجد الإشارة إلى أن الفرنسيين ظهرا في بداية استعمارهم لتشاد بأنهم لا يرغبون في التدخل في الشئون الدينية للتشاديين، لكنهم كانوا يضمرون خلاف ذلك، وإنما هي سياسة تمسكن فتمكن فتشيطن.
ففي المجال الإقتصادي ركزوا على جنوب البلاد ذي الموارد الطبيعية والكثافة الوثنية لسببين، أولهما إستغلال المواد الخام خاصة القطن الذي إرتبط بالأسواق الفرنسية من خلال شركات الإحتكار الفرنسية (47)، وثانيها نشر المسيحية في وسط القبائل الوثنية في الجنوب.
أما التجارة في الشمال المسلم فلم تأتلف مع الإقتصاد الفرنسي بسهولة لإرتباطها بالبلدان الإسلامية.
وفي الإطار القانوني لم تلجأ فرنسا إلى استبدال القوانين التي كانت سائدة بالسلطنات الإسلامية إلا في 1920م حيث أصدر الكولونيل برتراند قراراً بإيقاف التعامل بالشريعة الإسلامية وإبدالها بالعرف لدى كل قبيلة،(48) وفي سنة 1948م ، وفي عام 1946م أستبدلت كل القوانين بالقانون الجنائي الفرنسي على الرغم من تعرضه مع القوانين الإسلامية(49).

سياسة الدمج والاستيعاب والفرنسة:
من أخطر السياسات الفرنسية في مستعمراتها عامة وتشاد خاصة هي سياسة الدمج والاستيعاب والفرنسة والتي تعني نشر الحضارة والثقافة واللغة الفرنسية وسط الشعوب المستعمرة وجعلهم صورة طبق الأصل من الفرنسيين شكلاً ومضموناً من خلال القرارات الإدارية(50) وعبر المؤسسات التعليمية، وبمعنى أخر تعني هذه السياسة تخلي شعوب المستمرات الفرنسية عن ثقافاتهم الأصلية وعاداتهم وتقاليدهم وهويتهم لمصلحة الحضارة والثقافة الفرنسية ويصبحوا فرنسيين في كل شئ إلا اللون.
لذا لجأت فرنسا إلى تقسيم المواطنين في مستعمرتها إلى ثلاثة مجموعات:-
أولاً المواطنون : والمقصود بهم الفرنسيون وكل مواطن رضي أن يتعامل وفق للقوانين الفرنسية في مجال الأحوال الشخصية من زواج وميراث من حيث الإكتفاء بزوجة واحدة وتقسيم الميراث بالسوية بين الذكور والإناث عكس أحكام الميراث الإسلامي التي تنادي منح الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين والتي تتيح للرجل الزواج من أربعة للمستطيع الذي يعدل بين زوجاته .
ثانياً الرعاية : وهم الذين يوافقون على التعامل بالقوانين الفرنسية ما عدا قانون الأحوال الشخصية .
ثالثاً الوطنيون : وهم الذين يحتفظون بهويتهم ويتعاملون بقوانينهم الوطنية التي كانت سائدة قبل مجئ الفرنسيين .
ويشترط في المجموعة الأولى الثانية إجادة اللغة الفرنسية وتقديم طلب إلى الجهات الفرنسية لمنهم تصريحاً للإعتراف بهم لكن المجموعة فقط يتاح لها حق المساواة في التصويت مع الفرنسيين (51).
سياسات فرنسا تجاه التعليم الإسلامي :
سعت فرنسا لفصل بذور الثقافة الإسلامية ومحاربة الجماعات الإسلامية بسياسة فرق تسد وحظر الدعوة الإسلامية في الجنوب الوثني وأتخذت إجراءات مشددة بمراقبة تحركات التشاديين من الداخل إلى الخارج خاصة على الحدود بين سلطنة وداي مع دارفور في السودان وذلك من خلال الجهاز الاستخباري الذي كون خصيصاً لمراقبة المسلمين.
ففي عام 1912م حاولت تعيين بعض الأئمة بالمساجد ومنحتهم رواتب شهرية وحوافز عينية في شكل مواد غذائية لإحداث شروخ وسط رجال الدين(52).
ولعزل الشعب التشادي من الإرتباط بالدول الإسلامية خاصة مصر والسودان شدّد الجهاز الاستخباري الذي ذكرناه على مراقبة خروج ودخول التشاديين عبر الحدود وتقديم معلومات عن العلماء والطلاب والتجار النشيطين والمسافرين عبر السودان لأداء فريضة الحج أو الدراسة وكان كل تاجر يسافر إلى الجنينة بالسودان يكون عرضة للتحقيق والمساءلة ويوضع لمدة 15 يوم في السجن (53) بجانب الرقابة على الصحف والكتب التي يجلبها العائدون من الحج أو الطلاب الذين يعودون من السودان.
وفي إطار التعليم قامت الإدارة الفرنسية بتشاد بفتح بعض المدارس بفورتلامي عام 1902م وأبشي عام 1923م ومناطق أخرى لمحاربة اللغة العربية والثقافة الإسلامية لكنها تظاهرت في البداية بإبداء مرونة فسمحت اللغة العربية بجانب اللغة الفرنسية، لكنها عادت واتخذت قراراً عام 1911م بإيقاف تدريس اللغة العربية وتطبيق التعليم الفرنسي 100% خاصة بفورتلامي(54).
وفي عام 1923 فتحت الإدارة الفرنسية مدرسة بمدينة أبشة وأحضرت ثلاثة فرنسيين يجيدون العربية للتدريس فيها لتدعيم سياسات الدمج والفرنسة، وحتى عام 1928م بلغ عدد المدارس بالشمال حوالي 8 مدارس قوام التلاميذ فيها لا يتعدى 207 تلميذاً وثلاثة مدارس بالجنوب قوام تلاميذها 249 تلميذاً وذلك نسبة لمحاربة المسلمين للدراسة في هذه المدارس خوفاً على تنصير أبناءهم الذين ظلوا يدرسون على النظام العربي وكان بعض أولياء الأمور يدفعون فدية مالية حتى لا يسجل أبناءهم في المدارس الفرنسية وكان بعضهم يأخذ أبنائه إلى الأقاليم النائية لإخفائهم هناك وهذا مؤشر بفشل السياسات التعليمية الفرنسية بتشاد (55).
ولما أحست الإدارة الفرنسية بفشل سياساتها الرامية إلى الفرنسة عبر المؤسسات التعليمية، لجأت إلى أساليب أخرى لمحاربة الثقافة الإسلامية تمثلت في اغتيال العلماء وحرق مؤلفاتهم وكتبهم لتجفيف روافد الثقافة الإسلامية المناوئة للثقافة الفرنسية الغربية المادية كما سنرى في حادثة الكبكب التي سنتحدث عنها.
حادثة الكبكب عام 1917م في مدينة أبشة:
قد أمعنت فرنسا في استخدام وسائل وتجفيف روافد الثقافة الإسلامية بعد فشل سياسات التذويب والدمج والاستيعاب والفرنسة عبر المؤسسات التعليمية فلجأت إلى اغتيال وتقتيل العلماء في تشاد عامة وسلطنة وداي خاصة واختلاق مختلف الذرائع والمبررات كما حدث في حادثة الكبكب بمدينة أبشة في عام 1917م حيث قامت الإدارة الفرنسية بإصدار أمر بمحاصرة العديد من العلماء بمدينة أبشة أثناء تأديتهم لصلاة الصبح فهجم عليهم الجنود الفرنسيون وقتلوا أكثر من 400 عالم وفقيه باستخدام الكبكب أي الساطور لقطع رؤوس العلماء (56) وقام الجنود الفرنسيون بعد تقتيل هؤلاء العلماء قاموا بجمع كتبهم ومخطوطات وأحرقوها وأرسلوا بعضها إلى المتاحف الفرنسية واحتفظوا بالبعض الأخر في مخازن محلية بمدينة البشة لتسليمها للسلطان الجديد المرتقب بعد أن قاموا بنفي السلطان دود مرة إلى مدينة فورتلامي كما أشرنا إلى ذلك في حديثنا عن المقاومة الوطنية ثم دفن هؤلاء العلماء في مقبرة جماعية بمنطقة أم كامل وهو وادي داخل أبشة.
ذا رجعنا لمعرفة الأسباب والمبررات التي دفعت الفرنسيين إلى إرتكاب هذه الجريمة النكراء في حق هؤلاء العلماء نجد أنها تعود لسببين :
الرواية الأولى : تقول الرواية الأولى بأن أحد أرقاء الميرم أي الأميرة بانت شقيقة السلطان محمد شريف هجم على أحد الجنود الفرنسيين وهو برتبة ملازم أثناء حفل شعبي بإحدى حارات مدينة أبشة وسدد له طعنات بسكين فأرداه قتيلاً(57) وتم القبض عليه وتحت الضغط والتعذيب اعترف الرقيق المدعو (خير جا) بأنه كان يحضر دروس أحد العلماء أثناء الوعظ فأفتى هذا العالم بأن كل من يقتل كافراً يدخل الجنة وانطلاقاً من هذه الفتوى وطمعاً في دخول الجنة قتل الجندي الفرنسي.
وبناءاً على اعترافات (خير جا) استنتج الفرنسيون أن الدافع هو دافع ديني وأن الشيوخ والعلماء هم من وراء هذا السلوك وهذا التصرف.

الرواية الثانية : أما الرواية الثانية فتفيد بأن الحاكم الفرنسي بمدينة أبشة أصدر قراراً باستباحة أعراض النساء المطلقات للجنود الفرنسيين وغيرهم من الأجانب الذين يعملون مع الإدارة الفرنسية وعندما احتج المواطنون على ذلك دفاعاً عن أعراضهم حاولت الإدارة الفرنسية تطبيق القرار بالقوة والقهر فثار أحد العلماء ويدعى يحي ولد جرمة وألب الناس على مقاومة القرار فما كان من الإدارة الفرنسية بأبشة إلا أن ألقت عليهم القبض وأودعتهم السجن.

وإمعاناً من الفرنسيين بالقيم الإسلامية والتنكيل بالمسلمين وإنتهاك أعراضهم إلا أن قبضت على إبنة عم الشيخ يحي المعتقل وهي من النساء المطلقات وأستبيح عرضها لجنود الحامية لكن بفضل الله تمكنت هذه المرأة من المقاومة والدفاع عن عرضها وعندما صفعها أحد الجنود الفرنسيين الذي حاول الاعتداء عليها وجدت مصادفة ساطوراً ملقياً على الأرض بالقرب منها فأخذته وهوت به على رأس ذلك الذئب البشري (58) فسقط مدرجاً في دماءة ولفظ أنفاسه الأخيرة، فما كان من الإدارة الفرنسية إلا أن أصدرت أمر بقطع رؤوس المعتقلين وعلى رأسهم الشيخ يحي إنتقاماً للجندي الفرنسي القتيل مستخدمين نفس الساطور الذي قتلت ابنة عمه ذلك الجندي الفرنسي.

بالتمعن في هاتين الروايتين يبدو لنا وكأن هنالك أجندة خفية ودوافع غير معلنة لفرنسا أدت إلى قيامها بهذه المذبحة وبالصورة البشعة ولم تكتفي بقتل المذنب أو المتهم المباشر بل تعدى الأمر ليطال أكثر من 400 عالم حسب الرواية الأولى وإذا سلمنا جدلاً بأن شيخاً بعينه أفتى بدخول الجنة عند قتل كافر أفلم يكن من الممكن إحضار ذلك الشيخ والتحقيق معه ثم معاقبته بعد ثبوت الجريمة عليه.
أما الرواية الثانية فحيثياتها واضحة لأن الفرنسيين أصدروا قراراً منافياً للتعاليم الإسلامية ومستهجناً من قبل المسلمين الذين احتجوا دفاعاً عن أعراضهم وتمسكاً بمثلهم وقيمهم السمحة، أما ما قامت به إبنة عم الشيخ يحي فأمر مشروع وهو الدفاع عن عرضها والحيلولة دون إنتنهاكه وهذا ما دفعها لقتل الجندي الفرنسي فكان من المنطقي أن تقتل هي لا أن يقتل 400 عالم لكن كما قلنا فإن فرنسا وكما يبدو كانت ترمي من فعلتها تلك تنفيذ أجندة غير معلنة تجاه الإسلام والمسلمين وثقافتهم الإسلامية وهو تعويض فشلها في سياسات التذويب والدمج والاستيعاب والفرنسة التي فشلت فيها عبر المؤسسات التعليمية فلجأت إلى تقتيل العلماء وسنرى هذه المقولة إنشاء الله عند الحديث في المبحث الثالث الذي سيوضح بأن فرنسا فعلت ذلك لمحاربة الثقافة الإسلامية في تشاد بدليل أنها ستلجأ إلى أسلوب أخر هو أسلوب نفي العلماء وإغلاق المؤسسات التعليمية التي أسسوها وإلى المبحث الثالث.

المبحث الثالث: الشيخ عليش عووضة رائد النهضة الثقافية بتشاد
الاجواء التي ظهر فيها الشيخ عليش: كانت الاجواء التي ظهر فيها الشيخ عليش عووضة في الساحة كشخصية مؤثرة تموج بالعديد من الاحداث و علي مستوى الامة الاسلامية هيمن الاستعمار الاوروبي على معظم البلدان الاسلامية بعد ان رزئت في الخلافة الاسلامية ، و بدات حركات الاصلاح تظهر هنا و هناك منادية بالتحرر والانعتاق.
وعلى مستوي تشاد هيمن الاستعمار الفرنسي على البلاد، و شرع في محاربة الثقافة الاسلامية بوسائل مختلفة اهمها سياسات التذويب و الدمج و الاستيعاب والفرنسة عبرالقرارات الادارية و المؤسسات التعليمية، وعزل تشاد عن العالم الاسلامي من خلال الاجهزة البوليسية و الرقابية في ظل هذه الاجواء بدات شخصية الشيخ عليش عووضة تبرز كرائد للنهضة الثقافية بتشاد و التي تعرضت لبعض النكبات والهزات من قبل الاستعمار الفرنسي.
مولده و اصوله : ولد الشيخ محمد عليش عووضة بمدينة ابشة من اسرة مشهود لها بالعلم و الثراء والتجارة و الادارة، هي اسرة الشيخ احمد طه من قبيلة الجعليين كانت تقيم بمنطقة (كوبي) بدارفور في عهد السلطان محمد حسين و قد كان جدهم طه قاضيا لهذا السلطان ، وانتقلت هذه الاسرة الي سلطنة وداي بعد خراب (كوبي) واستقرت بالعاصمة (بوارا) عاصمة وداي في عهد السلطان محمد شريف(1835-1858م ) (61) ثم انتقلت الي ابشة عندما صارت عاصمة لوداي بدلا عن( وارا )
اختلف في تاريخ ميلاد الشيخ عليش ، فمن قائل انه ولد عام 1906م و قال اخرون عام 1909م و في رواية ثالثة عام 1912م (62) ، والراي الاول هو راي الاستاذ صالح ابراهيم عامر الذي لزم الشيخ لفترة طويلة في حياته و درس عنده لذا نرجح انه ولد عام 1906م ، و هذا يعني انه عاصر حادثة الكبكب التي حدثت بابشة عام 1917م و انطبعت احداثها المؤسفة في زهنه.
مراحل تعليميه: تلقى تعليمه اولا بمدينة ابشة كغيره من ابناء وداي بدا الدراسة عند والده فحفظ القران و درس العلوم الشرعية (63)
و من مشائخه بابشة الشيخ الطاهر محمد و الشيخ نصر جنقوري و الشيخ النجيب السنوسي الذي وجه اسرته باتاحة الفرصة له و لشقيقه سليم عووضة للدراسة بالشرق ، فانتقلا لمواصلة دراستهما بالمعهد العلمي بامدرمان بالسودان عام 1935م (64)
و بعد اكمال دراستهما بمعهد امدرمان العلمي عاد شقيقه سليم الي مدينة ابشة لكن الشيخ عليش واصل دراسته بالازهر الشريف بالقاهرة التي حل بها عام 1943م و في عام 1945م اجتاز الامتحان بامتياز في الشريعة الاسلامية و واصل دراساته العليا في الفلسفة هناك
و قد وجد في الازهر عددا من الطلاب التشاديين الذين سبقوه للدراسة هناك امثال الشيخ ابوبكر عبد الحكيم و الشيخ ابراهيم جباي ، و ادم بحر و محمد محمود ، و كان هؤلاء يقيمون في رواق صليح المخصص للطلاب التشاديين .

جهود الشيخ عليش في النهوض بالثقافة الإسلامية بتشاد:
بعد أن أكمل الشيخ عليش عووضة دراسته بالأزهر الشريف في مجال الشريعة الإسلامية وحصل علي دبلوم عالي في الفلسفة عاد إلي بلاده تشاد عام 1946م (65) وبداء يفكر في إنشاء مؤسسة تعليمية بمدينة ابشه علي شكل معهد نظامي تدرس فيه المواد الحديثة كالجغرافيا والتاريخ والمنطق بجانب المواد الإسلامية الاخري واللغة العربية، وقد أطلق عليه اسم معهد أم سويقو العلمي وهو علي غرار المعاهد الدينية لكل من امدرمان والأزهر الشريف.
ويبدو فكرة هذا المشروع لم تكن وليدة لحظة عودته إلي بلاده فقط، وربما تكون قد تخمرت في ذهنه منذ فترة طويلة أثناء دراسته بالأزهر لأنه جلب معه بعض الكتب ضمن المناهج التي ستدرس بالمعهد سواء أكانت من مؤلفاته شخصيا أو مؤلفات غيره، ويبدو أيضا أن الشيخ عليش لم يقدم علي تنفيذ مشروع المعهد العلمي إلا بعد أن استأذن السلطان محمد عراضة سلطان وداي آنذاك واخذ موافقته(66) تحسبا لأي طارئ، وان دل هذا فنما يدل علي قراءته الصحيحة للأمور خاصة في ظل الاستعمار الذي ظل يستهدف العلماء، وهذه الخطوة ربما تعد نوع من التأمين لهذا المشروع الرائد حتى لا يجهض قبل الوقوف علي قدميه.
بعد اخذ موفقة السلطان لفتح المعهد شرع الشيخ عليش في إجراءات تأسيس المعهد بحي أم سويقو وذلك بتهيئة أولياء أمور الطلاب بتسجيل أبنائهم في المعهد الجديد،
وأتصل الشيخ عليش أثناء ذلك ببعض المعلمين للمشاركة في التدريس أمثال الشيخ محمد علي معروف الذي استجاب لنداء الشيخ وحضر هو وأسرته من مدينة النهود بالسودان.
ولتأمين الجانب الإداري والإشرافي للمعهد ادخل إدارته ومناهجه الدراسية تحت إشراف الأزهر الشريف مما ساعد علي تطوير المعهد بسرعة مذهلة (67).
ولتدريب الطلاب علي القراءة والاطلاع والبحث فتح الشيخ عليش مكتبته الخاصة لطلاب المعهد مرة في الأسبوع تحت إشرافه أو إشراف شقيقه الشيخ سليم عووضه.
وقد شجع أولياء الأمور أبنائهم بالتسجيل والانخراط في المعهد الجديد، وقد ضم المعهد في فترة وجيزة حوالي 340 طالبا (68)، وباشر المعهد التدريس في فترتين فترة صباحية لصغار الطلاب، وفترة للكبار حتى تتاح الفرصة لا أكبر عدد من الطلاب الراغبين في الدراسة بالمعهد.
ومن مناشط المعهد إقامة الجمعيات الأدبية والمناظرات للتدريب علي الخطابة والشجاعة الأدبية، ولا خراج الطلاب من روتين الدراسة كان الشيخ يأخذهم مرة في الأسبوع في رحلة جوالة إلي المناطق القريبة من أبشة.
وقد ساهم الكثيرون من الطلاب التشاديين الذين تخرجوا في الأزهر الشريف في التدريس بالمعهد.
وكان الشيخ عليش عووضة أول من سلم شهادات رسمية للطلاب التشاديين الخريجين من المرحلة الابتدائية بمدرسة عربية اعترف بها الأزهر والسودان، وقد راسل الأزهر الشيخ محمد المبارك عبد الله عام 1950م ليقوم بزيارة معهد أم سويقو وتكملة الترتيبات اللازمة لضم المعهد رسميا إلي الأزهر، إلا أن السلطات الفرنسية منعته من الدخول إلي تشاد علي الرغم من انه وصل إلي مدينة الجنينة بغرب السودان علي الحدود التشادية.
وكان الشيخ عليش عووضة يشجع الطلاب بتنظيم احتفالات نهاية وبداية العام الدراسي كل عام والتي كان يؤمها أولياء أمور الطلاب وعدد غفير من المواطنين يتبادل فيها الطلاب إلقاء الكلمات خاصة كبار السن منهم وتتاح فرصة لممثل أولياء الأمور بمخاطبة ألحضوركما وان الشيخ نفسه كان يقدم كلمة الافتتاح يشكر فيها الحضور وأحيانا كان يخاطبهم شعرا كما حدث في عام 1947م بمناسبة مرور خمس أعوام علي افتتاح المعهد حيث قال :
 

أيـها المعـهد الرسـالة بلـغ

لا تكن عازلاً لصنعك لامـا

سـادتي واثـق بان لسـانـي

قاصر أن يرد شكرا سلامـا

نحن من يستجيب دعاء احتفال

ببدء الدروس خامس عامـا (70)

هذه الأبيات تشير إلي إن تاريخ افتتاح المعهد ربما كان في عام 1943م وهذا ما يؤكد ما ذهب إليه بعض معاصري الشيخ إذ أنهم يقولون هذه هي البداية الحقيقية للمعهد لكن الدراسة كانت داخل منزل أسرة الشيخ عووضة ولم تخرج الي ساحة المسجد الكبير بحي أم سويقو الذي يوجد به المعهد حاليا ثم انتظم بصورة رسمية عام 1946م.
وعندما شعرت الإدارة الفرنسية بنجاح المعهد والإقبال الشديد من الطلاب وتشجيع أولياء الأمور لهم، بدأت تشدد عليه ألرقابه وكان الحاكم العام بابشة يقوم بزيارة المعهد أسبوعيا وأحيانا يرسل عيونه لنقل المعلومات عن نشاط المعهد (71)، ومن ثم بدأت تحيك المؤامرات لإيجاد ذريعة لتعطيل الدراسة بالمعهد، وفي هذا الإطار بامت الإدارة الفرنسية بالاتصال بالشيخ عليش أحيانا بغرض الترهيب وأحيانا بغرض الترغيب فعرضت عليه أولا أن يكون رئيسا لتحرير جريدة (كوكب تشاد) التي تصدر في برازافيلاو تفتح له مدرسة خاصة يتولي إدارتها بشرط إن تضع السلطات الفرنسية المنهج الدراسي ويلتزم الشيخ عليش بتنفيذه نصا وروحا وان يتخلي عن إدارة المعهد العلمي بأم سويقو ولما رفض هذا العرض أرسلوا له وسطاء لإقناعه بالقبول بالعرض تفاديا من العواقب الوخيمة وعندما سألهم الشيخ عن السبب ردوا عليه بأن العمل الذي يقوم به هو ضد المصالح الفرنسية، وفي مرحلة لاحقة اتهموه من أصول أجنبية (72).
إلا يؤكد هذا ما ذهبنا إليه من القول في المبحث الثاني إثناء حديثنا عن حادثة الكبكب والتي قتل فيها أكثر من أربعمائة عالم بمدينة ابشة بأن فرنسا تبحث عن الذرائع لمحاربة الثقافة الإسلامية وكل من يدعمها ؟!
مع كل هذه المضايقات ظل المعهد العلمي يؤدي دوره الذي أسس من أجله وهو إتاحة الفرصة لأكبر عدد من الطلاب التشاديين للدراسة تعويضاً بما حل بتشاد من نكبات ثقافية بتقتيل العلماء من قبل الإدارة الفرنسة.
وبالفعل تخرج عدد كبير من الطلاب من معهد أم سويقو انتشروا في طول البلاد وعرضها وإمعانا من السلطات الفرنسية في محاربة الجهود التي يقوم بها الشيخ عليش في النهوض بالثقافة الإسلامية بتشاد أقدمت السلطات الاستعمارية بإغلاق المعهد ونفي الشيخ عليش عووضة إلي السودان عام 1953م (73).
وعلي الرغم من ذلك ظل الطلبة الذين تخرجوا من هذا المعهد العريق يحملون الراية ويواصلون التدريس تكملة للمشوار الذي بدأه شيخهم وقد وقف خريجو الأزهر الذين عادوا إلي بلادهم في الوقوف إلي جانب زملائهم بمشاركتهم في التدريس بالمساجد والبيوت، والبعض آلاخر تمكن من فتح مدارس ومعاهد في مختلف المدن التشادية كما سنري أثناء الحديث عن آثار ونتائج جهود الشيخ عليش في سبيل النهوض بالثقافة الإسلامية بتشاد.
آثار ونتائج جهود الشيخ عليش عووضة:
من أهم الآثار العلمية التي تركها الشيخ عليش للتشاديين وللأمة الإسلامية ثلاثة مؤلفات:
1- كتاب (الاسلوب الجديد في النحو المفيد) الذي بدأ تأليفه عام 1955م وأكمله عام 1963م وظهرت منه الطبعة الأولي عام1964م من مطبعة التمدن بالخرطوم.
2- (الموجز في علم التوحيد) الذي أكمله بامدرمان سنة 1383هـ - 1964م وطبع بمطبعة التمدن أيضا
3- (المنحة الأزهرية في الراجح من مسائل فقه المالكية)، والذي عدل عنوانه إلي (المنحة الأزهرية في فقه المالكية).
ويشير الأستاذ عابد حسين وهو من أسرة الشيخ عليش ودرس بمعهد امدرمان العلمي والأزهر ويعمل الآن بالإذاعة التشادية بمدينة ابشة، يشير بان الشيخ قد بدأ كتاب آخر في تفسير القرآن لكنه لم يكمله.
ويبدو أن للشيخ عليش عووضة بعض الآثار لكننا لم نحصل إلا علي قصيدة واحدة من هذه الآثار وهي القصيدة التي ألقاها عام 1947م بمناسبة مرور خمس أعوام علي تأسيس المعهد إليك جزء منها.

سارعوا سادتي لمجد علاكـم

شيد الله مجدكم وأقـامـا

أيها الواطنـون دار صليـح

إخوتي سادتي أراكم إماما

يا بني المعهد المؤمل فيكـم

رفع الله عبئكـم والانا ما

لكم آجر من يجاهد نصـراً

بفلسطين هاجنا أو تهامـا

جاهدوا واصبروا لتحظوا بغنم

شكر الله سعيكم لا يضامي

وثقوا أن مـن يحـدث نفسـاً

بارتقاء السماء جاء تمـاما

بالتمعن في هذه الأبيات الشعرية تتبين لنا إن هموم الشيخ عليش عووضة قد تعدت الإطار المحلي والإقليمي لتطال الأمة الإسلامية بأكملها، وكيف لا وفلسطين
أولي القبلتين مازالا مغتصبتين من قبل الصهاينة هذه نماذج من الآثار العلمية وسنري نماذج آخري أنشاء الله من جهود من تخرجوا علي يدي الشيخ عليش عووضة، بمختلف المدن التشادية في المجالات المختلفة :
1- استمر عطاء المعهد إلي يومنا هذا، وقد أعيد فتح المعهد وأضيف إليه قسم جديد خاص بتعليم البنات وكان ذلك علي يدي الأستاذ عجيمي شريف عام 1968م والآن يقوم بإدارة المعهد كل من الأستاذ صديق أبكر مديراً والأستاذ العبد حسين إماما للمسجد.
2- قام الشيخ جبريل موسي جبريل احد خريجي المعهد بتأسيس معهد بمنطقة (موسورو) لتأدية نفس الرسالة التي بدأها الشيخ عليش، وقد اختير الشيخ جبريل موسي نائبا لرئيس المجلس الاعلي للشئون الإسلامية بتشاد إلي أن انتقل إلي جوار ربه عام 2001م.
3- أسس الشيخ مصطفي وهو أيضا من خريجي المعهد (معهد بستان العارفين بمدينة ابشة) والذي ما زال يزاول نشاطه في تعليم أبناء المسلمين اللغة العربية والعلوم الإسلامية.
4- أما الشيخ زكريا حسن شمبوا والذي تقلد مشيخة معهد أم سويقو بعد نفي الشيخ الي السودان فقد أسس مدرسة روضة الأحباب بحي الكمينة بمدينة ابشة.
5- وللمحافظة علي الآثار العلمية تركها الشيخ عليش من كتب ومؤلفات قام بعض الخريجين بإعادة طباعتها علي نفقاتهم الخاصة ونذكر من هؤلاء الشيخ طاهر محمد والشيخ التجاني كندل والأستاذ عجيمي شريف والأستاذ إسماعيل عليش بن الشيخ نفسه وآخرين.
هذه مجرد نماذج فقط لبعض نتائج وأثار جهود الشيخ عليش عووضة في النهوض بالثقافة الإسلامية بتشاد.
وقد كان للشيخ أيضا جهود آخري بالسودان الذي نفي إليه، فقد عمل أستاذا بالعديد من المعاهد العلمية بالسودان نذكر منها معهد الفاشر العلمي وحلفا ونيالا وغيرها.
وتجدر الإشارة أيضا إلي أن الشيخ عليش عمل أستاذا بمعهد البحوث بالأزهر الشريف بجمهورية مصر.
وفي السبعينات أرسل إليه الرئيس التشادي فرانسوا تمبلباي خطابا بواسطة الإمام موسي إبراهيم إمام المسلمين بتشاد يدعوه إلي العودة إلي تشاد والمساهمة في تطوير التعليم العربي بها، وبالفعل قام الشيخ عليش بزيارة إلي تشاد بصحبة ابنه إسماعيل عليش، ثم عاد مرة أخري السودان لإخلاء طرفه والاستعداد للسفر ألي تشاد تلبية لدعوة الرئيس التشادي تمبلباي وخدمة للثقافة الإسلامية إلا أن المنية عاجلته عام 1976م بمدينة امدرمان بالسودان إلا رحم الله الشيخ عليش وأسكنه فسيح جناته.

نتائج البحث :
1- أدي انتشار الإسلام في أفريقيا عامة وتشاد خاصة إلي أحداث نقلة نوعية في المجتمعات الإفريقية ممارسة وسلوكا وتوجها حضاريا.
2- ساهم الشيخ عليش في نشر الثقافة الإسلامية في تشاد من خلال المعهد العلمي الذي أسسه ومن خلال الخريجين الذين حملوا الراية من بعده.
3- برز من خلال البحث أن علماء المسلمين ومؤسساتهم التعليمية يشكلون خطراً كبيرا علي أعداء الإسلام.
4- تأكد من خلال البحث أن مواقف الاستعمار قديما وحديثا تجاه الإسلام والمسلمين هي هي وأن تبدلت مناهجه وأساليبه علي مر العصور.
5- المسلمون هم ألان في أمس الحاجة أكثر من ذي قبل بالتمسك بأهداب دينهم والعودة إلي أصولهم وثوابتهم.

* هوامش البحث
1/ د. عبد الباسط حسن عبد العزيز كفاح العلماء في تشاد ضد الاستعمار الفرنسي،التركي للكومبيوتر وطباعة الأوفست طنطة، 1919ه-1998، ص2-5.
2/ د. مصطفى أحمد علي : التعليم العربي الإسلامي في جمهورية تشاد تاريخه وآفاقه، دراسات أفريقية، العدد السادس عشر، يناير 1997 رمضان 1413هـ ص25.
3/ راجع د. مصطفى أحمد علي نفس المصدر نفس الصفحة.
4/ د. عبد الرحمن عمر الماحي : تشاد من الاستعمار حتى الاستغلال (1894-1960م) الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1982 ص 13 .
5/ راجع د. عبد الرحمن الماحي : نفس المصدر ص14 .
6/ د. الحارث بشر : التدخلات الأجنبية في تشاد (1885-1982م) رسالة غير منشورة ص 17 .
7/ الشيخ إبراهيم صالح يونس : تاريخ الإسلام وحياة العرب في أمبراطورية كانم برنو ، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى الباب الحلبي وأولاده بمصر، 1396هـ/1976م ص77.
8/ د. فضل كلود الدكو، الثقافة الإسلامية في تشاد في العصر الذهبي لإمبراطورية كانم برنو ، منشورات كلية الدعوة الإسلامية ، الطبعة الأولى 1998م ص108.
9/ بشير عربي بشير : علاقة الممالك التشادية رماكز الحضارة الإسلامية في العالم الإسلامي، بحث مقدم لندوة اللغة العربية لتشاد الواقع والمستقبل، في الفترة من 15 إلى 9 شوال 1421هـ الموافق 22/ديسمبر إلى 3يناير 2001م ص5 .
10/ أنظر بشير عربي بشير نفس المصدر ص4.
11/ أنظر د. عبد الرحمن عمر الماحي مصدر سابق ص17.
12/ أنظر عبد والرحمن الماحي نفس المصدر ص13 راجع بشير عربي بشير مصدر سابق ص12.
14/ راجع د. فضل كلود مصدر سابق ص150-152.
15/ د. محمد صالح أيوب : الدور الإجتماعي والسياسي للشيخ عبد الحق الترجمي في دار وداي في تشاد (1853-1917) جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، 2001 ، ص113.
16/ راجع د. محمد صالح أيوب نفس المصدر نفس الصفحة .
17/ راجع د. فضل كلود مصدر سابق ، ص157 – 158.
18/ راجع د. فضل كلود نفس المصدر ص159 .
19/ نفس المصدر نفس الصفحة .
20/ أنظر د. محمد صالح أيوب مصدر سابق ، ص111-112.
21/ راجع د. محمد صالح أيوب نفس المصدر ص112.
22/ راجع د. فضل كلود مصدر سابق ص168.
23/ نفس المرجع ص169.
24/ راجع بشير عربي بشير مصدر سابق ص14-15.
25/ أنظر د. فضل كلود مصدزر سابق ص183-184.
26/ نفس المصدر ص185.
27/ نفس المصدر ص190.
28/ نفس المصدر نفس الصفحة .
29/ نفس المصدر ص192 .
30/ محمد الامين الأبقاري : الحياة الثقافية في مملكة باقرمي ، بحث غير منشور مقدم لنيل دبلوم الدراسات المعمقة ، جامعة الملك فيصل (1998-1999م) ، ص29.
31/ نفس المصدر ص30.
32/ أنظر د. فضل كلود مصدر سابق ص92 ومحمد الامين الأبقاري ص30.
33/ محمد يعقوب عبد الواحد نبذة تاريخ علماء تشاد ، مخطوطة ، ص21-22.ط.
34/ راجع محمد الأمين الابقاري مصدر سابق ص38.
35/ انظر د. محمد صالح أيوب مصدر سابق ص204.
36/ نفس المصدر ص226-228.
37/ نفس المصدر ص220-222 .
38/ راجع د. عبد الرحمن الماحي مصدر سابق ص33.
39/ نفس المصدر ص17.
40/ نفس المصدر نفس الصفحة .
41/ نفس المصدر ص142 .
42/ نفس المصدر ص 143.
43/ نفس المصدر ص144 .
44/ نفس المصدر 142-143.
45/ نفس المصدر 144-146.
46/ نفس المصدر ص146.
47/ راجع د. عبد الباسط حسن مصدر سابق ص9.
48/ راجع د. عبد الرحمن الماحي مصدر سابق ص85.
49/ P.lanne: la politique fransaise a l'egard de l'islan au tchad (1900-1956)) l'islam au tchad, institute d'etudes poliques pordeaux universite Bordeaux I, p99 .
50/ J.B. wedster and a. a. brahen: the growth of African sevelization the revoautiary years, west Africa since 1800, page 269.
51/ ibid .
52/ P. lanne, sit, op, p104.
53/ ibid.
54/ أنظر د. عبد الباسط حسن مصدر سابق ص 34.
55/ B. lanne sit, p109.
56/ الحاج مكي عبد الله : طريق الهدى والرشاد للتصوف القديم وتاريخ دخول الإسلام والطريقة التجانية في تشاد ص121.
57/ الحاج مكي عبد الله نفس المصدر ص122 .
58/ أنظر د. محمد صالح أيوب مصدر سابق ص164.
60- Issa Hassan Khair, Regard sur les elites ou addaiene edition du centre natimal de la recherche scientifique, 15 quoi Anatole – France – 75700 Paris, 1984 , p 93.
61- David E. Gardinier : Muhammad Awuda Oulech at Abeche A reformist Islamic Challenge to French And Traditionalist Interests in Oudaddai, Chad, 1947 – 1955 p. 150.
62- 1559 Hassan Khaiar, at, op, p150
63- Ibid, p 126.
64- David E. Gardinier , cit , op, p 150
65- أنظر د. عبد الرحمن الماحي ، مصدر سابق، ص 101.
66- صالح إبراهيم عامر: ملامح وطنية من مواقف الشهيد آدم بركة، مخطوطة، ص8.
67- د. عبد الباسط حسن: مصدر سابق ص 80.
68- المصدر السابق نفس الصفحة.
69- المصدر السابق ص 83.
70- من قصيدة للشيخ عليش القاها عام 1947م بمناسبة مرور خمس أعوام من عمر المعهد.
71- صالح إبراهيم عامر، مصدر سابق، ص 17.
72- أنظر د. عبد الباسط حسن ، مصدر سابق، ص 80 – 81.
73- أنظر د. عبد الرحمن الماحي: مصدر

مؤتمر الإسلام في إفريقيا 2006م / جامعة إفريقيا العالمية

  
جميع الحقوق محفوظة 2008