- الصفحة الرئيسية - الاختيارات
مكانة اللغة العربية في المجتمع التشادي
 
الكاتب اعطية جويد جارالنبي
طالب بجامعة الجزائر، من تشاد
اختيار المشرف العام على الموقع
تبنت الأقطار الإفريقية التي دخلها الإسلام اللغة العربية، فأصبحت في الكثير منها اللغة الرسمية، فكانت لغة الإدارة والعلوم، ولغة الدين والثقافة، إلى أن بسط الاستعمار نفوذه على هذه الدول، وحاصر اللغة العربية وحارب خطها بمختلف الوسائل.
وفي هذا المقال يرسم الطالب عطية جويد جار النبي صورة لنموذج من هذه الأقطار: التشاد حيث عرفت اللغة العربية مكانة راقية، إلى أن حوصرت خلال فترة الاستعمار الفرنسي وبعده.
إذا دعت الضرورة للتحدث عن موضوع اللغة العربية في تشاد فأقول أنه قد يبدو موضوعا حساسا لدى البعض وغير مهم للبعض، وقد يكون مهما وليس حساسا لمجموعة ما أو فئة أخرى، لكن يجب أن نقف عند بعض الحقائق ولو أن موضوع اللغة قد تمت مناقشته, لكن التساؤلات عن هذا الموضوع تبدو دائما موجودة هنا وهناك, لأن اللغة –كلغة- مهما كان منبعها أي مصدرها أو شكلها أعني لونها فليس لها أي شائبة وإنما المشكل عادة ما يكون في الناس وخاصة أصحاب المصالح والإيديولوجيات التي هي بعيدة كل البعد عن منطق الوعي والفهم وقريبة من اللاوعي.
أي نظرة ضيقة تعطي الأولوية "للكرش" و"القرش" والمصلحة فنحن إذا لسنا في مجال إبراز جماليات اللغة العربية بل مكانتها في المجتمع التشادي.
إن المادة 09 من الدستور التشادي المعدل والمصادق عليه في عام 1996وأيضا الدستور السابق؛ ففي الباب الأول عن" الدولة والسيادة"،
المادة 09 تقول: أن اللغتين الرسميتين هما الفرنسية والعربية, والقانون يحدد شروط تطور وتنمية اللغات الوطنية (العربية) وبما أنه تمت المصادقة على هذا الدستور فهذه المادة 09 تكون قد أخذت قوة قانون، ولا يجوز لأحد أن يخرج عنها. وإن الخروج وعدم تطبـيق هذه المادة معناه إلغاء الدستور الذي صادق عليه الشعب التشادي بأغلبية معتبرة, لكن الإعادة في القضايا الحيوية إفادة كما يقول المثل.
إذن لنرجع للموضوع وهو مكانه " اللغة العربية في المجتمع التشادي " فالحديث عن هذا الموضوع من الأحسن أن نتناوله من خلال ثلاث فترات وهي على النحو التالي:
أولا: مكانة اللغة العربية في المجتمع التشادي قبل الاستعمار
-إن الدخول في الحضارة الإنسانية له شروط و اللغة هي شرط أساسي في تلك العملية أي الدخول في الحضارة الإنسانية.
فالتشاد هي هذه البقعة التي تسمى اليوم. عندما نعود قليلا إلى الوراء داخل تاريخ هذا البلد نجد أن الممالك التي أسست في هذه الأراضي كانت تتعامل بالغة العربية، مثلا أقدم مملكة في هذه البلاد وهي مملكة " كانم" التي تأسست عام 800 للميلاد وهو تاريخ دخولها في الإسلام ابتداء من هذا التاريخ تعاملت هذه المملكة باللغة العربية وذلك لدافعين :
- الدافع الأول : إن المؤسسين لهذه الممالك كانوا من العرب ودفعهم ذلك بأن يتخذوا من العربية لغة للدولة ولغة للدواوين والمعاملة والمخاطبة.
- الدافع الثاني: بعد اعتناق هؤلاء الإسلام وبما أن القرآن نزل بهذه اللغة هو آخر كتاب جاء لكي يجمع الناس في حضارة جامعة وملخصة لكل التجربة البشرية وأن الله اختار هذه اللغة لهذا الكتاب، واحتلت العربية مكانة مقدسة في هذه المنطقة كما أن هناك أسباب أخرى منها أن لهذه اللغة قواعدها الإملائية والصرفية والنحوية و الإعجازية والبلاغية لا تتغير أبدا بعكس بقية اللغات ومن هنا تبرز أهمية اللغة العربية من بين لغات العالم, ولذلك فإن هؤلاء الملوك أدركوا بفطرتهم ويقظتهم هذه الأهمية وجعلوا هذه اللغة لغة الدواوين.
إذا هناك دافعان كما رأينا لاتجاه الناس إلى اللغة العربية وتبنيهم لها, نلخصها في:
أولا: العنصر الذي أسس هذه المملكة هو عربي.
ثانيا: أهمية اللغة العربية في هذا المجال
أما المملكة الثانية فهي مملكة وداي التي تأسست سنة 1516 ميلادية، هذه المملكة أيضا تابعت نفس خطوات مملكة كانم وبنفس الدافع وبما أن المؤسسين كانوا من عنصر عربي وبما أن هذه المملكة بعد اعتناقها الإسلام رأت أهمية اللغة العربية فتعاملت مع هذه اللغة العربية أيضا كلغة رسمية للبلاد ثم تأتي مملكة باقر مي في الوسط وما تلاها من ممالك صغيرة مثل مملكة بلا لا, وكل هذه المماليك التي تأسست في هذه البلاد ( تشاد) اتخذت من اللغة العربية لغة رسمية، وظلت اللغة العربية ظلت سمتها ولسانها المميز, فصارت العربية لغتها الرسمية في شتى مناحي الحياة من نظم, حكم وإدارة, اقتصاد وثقافة وعلوم وفنون, بل أصبحت اللغة العربية لغة التخاطب الدولية والمعاهدات بينها وبين غيرها من البلاد سواء كانت تلك البلاد داخل القارة الإفريقية أو خارجها.
ثانيا: اللغة العربية أثناء الاستعمار
عندما وصلت القوات الفرنسية إلى الأراضي التشادية في جنوب البلاد في عام 1949 وحتى اكتمال هذه القوات الغازية لما يسمى بالاستعمار في 1914 م وذلك أثناء الحرب العالمية الأولى, أصبحت هذه اللغة العربية لغة رسمية للبلاد بعدما فرضت فرنسا سيطرتها التامة على كافة الأراضي التشادية.
إذن نجد هناك لغة نابعة بل منصهرة في تاريخ تشاد أو من تشاد إلى تشاد, مشكلة جزءا من التراث التشادي ألا وهي العربية.
وبعدما بسطت فرنسا سيطرتها التامة على البلاد قامت بغزو ثقافي واستلاب حضاري يتمثل في عملية طمس وتشويه للثقافة الوطنية التشادية: ( العربية الإسلامية) وكان ذلك الغزو الثقافي الفرنسي من أخطر أنواع الغزو على الإطلاق حيث استطاع الاستعمار الفرنسي بما يملك من قوة وإمكانيات أن يفرض اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية محل الثقافة الوطنية التشادية ألا وهي العربية والثقافات الأخرى في ظل غزو عسكري وهيمنة استعمارية من خلال فرضه الفرنسية كلغة رسمية وحيدة للبلاد, كبديل للعربية التي كانت سائدة في الإدارة ومناهج التعليم. لقد بدأت فرنسا في تنفيذ مخطط استعماري بل استدماري خبيث يهدف إلى القضاء على اللغة العربية في تشاد وخنق الروح القومية كسائر الدول الأوروبية الاستعمارية. فإذا احتلت بلدا في الشرق أو الغرب سارعت إلى محاربة لغته الوطنية ونشر لغتها وآدابها وثقافتها حتى تقطع العلاقة بين الشعب ولغته الأصيلة التي هي جماع معتقداته وميوله ومشاربه وتقاليده في حياته الاجتماعية والسياسية والثقافية، ثم تدفعه إلى لغتها الغربية, فينجذب نحو آدابها ومدنيتها مقلدا لا معتقدا، ومن هنا يصبح الصراع عنيفا والنضال شديدا بين اللغة الوطنية واللغة التي يريد المستعمر فرضها أي لغته (وأنتم أهل الجزائر أدرى بذلك).
حيث أصبحت اللغة العربية أي لغة الشارع التشادي التي كانت تربط الشتات العرقي والإقليمي في طول البلاد وعرضها, والتي كانت كذلك لغة الإدارة والسياسة والتعليم لدى السلطنات والإمبراطوريات والممالك الوطنية التي قامت في تشاد قبل دخول الفرنسيين بعدة قرون, لا وجود لها مطلقا على المستوى الرسمي وغير معترف بها من الناحية العلمية, وذلك يرجع للقوانين والتشريعات الجائرة التي وضعها وخلفها الاستعمار الفرنسي قاصدا بها طمس الهوية الوطنية التشادية, فأصبحت اللغة العربية تتعرض للتهميش على الصعيد الرسمي بل تواجه مشاكل جمة, بالرغم من أن العرب والعناصر المستعربة تشكل حوالي 70% من مجموع السكان, فكوادر وإطارات اللغة العربية من أبناء تشاد لا يعترف بهم ككوادر علمية مهما بلغوا من قدرات مهنية وبالتالي لا يحق لهم التوظف إلا بعد إجراءات تعجيزية قاسية, وحتى بعد توظيفهم يتم القذف بهم في وظائف هامشية بعيدة عن مواقع صناعة القرار السياسي.
ثالثا: اللغة العربية بعد الاستعمار
لقد عاشت اللغة العربية محاولة هضم وطرد، وذلك حتى بعد الاستعمار والغريب في ذلك هو سعي بعض الذين لعب الاستعمار بعقولهم من أبناء التشاد فرسم على صفحتها البيضاء أحلامه الشريرة وسكب عليها سمومه القاتلة على محاربة اللغة العربية بشتى الوسائل, حيث أصبحوا ينظرون إلى اللغة العربية, لغة قديمة لا تصلح أن تكون لغة علم وحضارة وإنما يعتبرونها لغة غناء وطرب وخطاب وفي أحسن التقديرات لغة تعبّد وصلاة وذلك حسب ما تم تلقينهم له من خلال المؤسسة الاستعمارية فضلت تلك القوانين والتشريعات التي سنها المستعمر قائمة بشكلها ومضمونها والحكومات التي توالت على السلطة في تلك الآونة جعلت من تلك القوانين كشيء مقدس, لا يجب مساسه أو الاقتراب منه بقصد تغييره أو تعديله مهما كانت الحجة أو المبرر حتى العام 1978 م. أثناء الاتفاقية الموقعة بين الحكومة والثورة أو ما يسمى باتفاقية الخرطوم تمت الموافقة على جعل العربية لغة رسمية جنبا إلى جنب الفرنسية، لكن ظلت المؤامرات تحاك ضد اللغة العربية وأصبحت هذه الأخيرة رهن الحملات المسعورة التي تتكون من ثلاث فئات أولها فرنسا وثانيها مثقفي الأقاليم الجنوبية في التشاد وثالثها الفرنسيون من أبناء الشمال, والعجب العجاب هو أن أخطر هذه الفئات وأكثرها تزمتا وشراسة هي الفئة الأخيرة إذ تبنت دور كلب الحراسة للدفاع ليس عن اللغة الفرنسية فحسب بل عن الثقافة الفرنسية في التشاد, وذلك يرجع لحسن التدريب والتلقين اللذين نجح المستعمر في غرسهما فيهم, فجل الحكومات التي مرت لم تعط أهمية للغة العربية وظلت اللغة العربية مهمشة وخير دليل ذلك هو المؤتمر الوطني الذي عقد في 15يناير1993م والذي كان القصد منه تحديد المستقبل السياسي للتشاد ووضع الحلول لبعض القضايا الوطنية الملحة كالهوية والثقافة..الخ.
ففي ذلك المؤتمر الذي انعقد في 1993 أي بعد 33 سنة من الاستقلال تبين أن الدولة لم تبني على الإطلاق ولا مدرسة واحدة لتعليم العربية، فجل الاهتمام كان لصالح المدارس الفرانكفونية ولكن الطريف في هذا الأمر أن المدارس العربية الخاصة أصبحت تضاهي أو تفوق المدارس الحكومية خاصة في العاصمة انجمينا, ففي ذلك المؤتمر طالبت بعض الفعاليات والأطراف المشاركة بتعديل بعض بنود الدستور التي قيل عنها تجاوزها التاريخ ولم تعد تنسجم مع الواقع الحضاري والثقافي للبلاد وهي تلك التي تتعلق بالوضع الرسمي للغة العربية في المدارس الحكومية. واعتماد اللغة العربية في الإدارة والمعاملات الرسمية....الخ.
فالمؤشرات وقرائن الأحوال تشير دون أدنى شك أن اللغة العربية أصبحت واقعا لا يمكن تجاهله ضمن مكونات الهوية التشادية وهي تتجلى في المكونات التالية:
1- تزايد مثقفي اللغة العربية.
2- كثرة المدارس العربية.
3- الجمعيات والروابط الثقافية والاجتماعية والمنتديات.
4- ظهور بعض الأصوات الفرانكفونية من داخل المؤسسة السياسية منادية بضرورة عودة تشاد إلى أصالتها الوطنية.
5- هو الشارع التشادي الذي كان واقفا, ومساندا ومطالبا باللغة العربية.
والجدير بالإشارة هو أنه رغم تعدد اللغات المحلية التي تقارب عدد القبائل التشادية(280) و200 لغة محلية. ورغم المساعي المحمومة التي بذلها الاستعمار الفرنسي بغية طمس الهوية الوطنية التشادية طوال السنوات التي ظل يحكم فيها البلاد, إلا أن اللغة العربية استطاعت أن تحافظ على أصالتها ووجودها ومازالت وستظل اللغة العربية اللغة الشعبية الجامعة التي تربط الشتات العرقي والقبلي في طول البلاد وعرضها, عنصر ربط وجمع لكافة سكان البلاد.
  
جميع الحقوق محفوظة 2008