- الصفحة الرئيسية - الأدبيات
حديث القلب الكبير
 

ادم يوسف موسى

   لا بد أن أغدو مثلك ثائرة ، وشهيدة ، كم رأيتك شابا يحمل قلبا عارما ،شديد اللهجة ، حتى نظرتك الشرسة التي كانت تحملني إلى السماء ، تدفعني علي ان أعيد النظر في سلوكي ، إن صورتك لن تزول عن ذاكرتي وإن صورة وجهك لن تضيع ، فهو يسكن في قصر كياني ، انه منقوش كالوشم على جدار قلبي، وأن كنت مسلما وشماليا من قاع الصحراء ، لك عادات وتقاليد وأنا جنوبية من وسط السافنا الغنية ولي عادات وتقاليد ، استطعنا أن نعيش سويا بقلب واحد ، أعرف تماما عندما وعدتني بالزواج كان أمامك سدا منيعا ، استطعت أن تجتاز هذه الحيطان بإصرارك وعزيمتك ، استطعت أن تمحو ذكرى الوجوه الشبابية التي مرت على حياتي ، استطعت أن تكون فارسي ، وبيت القصيد ، ما زالت مسحة الكآبة التي فارقتني منذ لقاءنا تحلق بجناحيها في سماء فؤادي ، وما تزال أنت الوحيد الذي يجعل الدمعة في عيني ضحكة ، أتذكر أول لقاءي بك ، رأيتك شابا ، جادا ، صامتا ، كنت لحظتها ثرثارة أحب من يصمت لسماع ما أقول ، وكنت تتفهمني وهذا ما جعلني أتشبث بك ، وعندما نظرت في أحدى المرات الى عينيك ذات البريق الساحر ، رأيت تمتمات مشاعرك، أدركت أنني في حضن رجل يستطيع حمايتي ، وعندما أراك وأنت ترتدي البزة العسكرية أشعر أني أضعت نصف حياتي في مهزلة ، فعرفت من خلال احتكاكي بحياتك أنني أكن كرها لجزء من وطني بلا سبب حقيقي ، أعرف أن بيننا وبينكم كرها أعمى وخطوط وهمية ، وهنالك عقد ورموز غامضة ، تتملكني ولكن رغم ذالك ، تخلصت من هذه المكائد بسهولة ، دعني اسميها مكائد طالما هي أشياء لا وقع لها بيننا ، إننا مازلنا نعيش حياة بدائية خليط بالكره ، والحب معا ، قلت لي ذات مرة أنك تحب المرأة ذات الجمال الطبيعي ، التي لا تقلد أو تحاكي بل أخبرتني انك تشمئز من الضفائر الاصطناعية والأدوات التجميلية، وتحب من تجلس على حفرة الدخان ، بصراحة هذه الاحتياجات كلها جديدة علي ، وأصبحت أتلذذ باستعمالها ، جعلتني بكلماتك ومبادئك أحمل في فؤادي ضميرا متيقظا ومشاعر حساسة تنادي باسم الوطن الواحد والأمة الواحدة ، والحلم الأفريقي الواحد ، فبدأت أكتسب سمة جديدة ، القلق ، ذالك الشئ الذي اجتاحني فجاءة اقلق على ماذا ؟ على فراقك أو بعدك !!
بدأت أفكر ببذل كل جهدي حتى لا نضيع من يدي وظللت أسعى برغبة حقيقية من أجل إسعادك حتى تحققت أحلامي وتمت خطوبتنا ، أعرف أنك دفعت ثمنا باهظا لكنها كانت خطوة موفقة ، هكذا فسرت الأمر، لا أقول لك بأنني لم أواجه صعوبة ، لكنها كانت أخف مما واجهته.
لقد ألتحم جسدانا معا ،وأختلط عرقنا وأحلامنا ، عرفت الصحراء ، بكل قوافلها وأوديتها ، غرفت الإعصار والتربة الرملية الصفراء ، الشاي الأخضر ، والكدمول ، والتلثم والكرم والشجاعة والمبادئ النبيلة ثم الله ؟؟
وعندما تركتني ذهبت الى مناطق تبستي ،ثم عدت مصابا أحسست أن القضية تهمني كثيرا بالرغم أن والدي يرى أن الأمر ماهو إلا عن شماليين يتقاتلون فيما بينهم ، انك شمس ساطعة على حياتي ، انك أملي وعزائي أنك كتاب مقدس وجدت فيه الصواب .
وضعت الورود على قبره ودمعاتها تقطر على الأرض وهي تخاطب وجدانها " أرجو أن تتقبل هذه الورود فهي قصيدة رثاء ، الشئ الوحيد الذي يمكن أن أقدمه لك في كل عيد من أعياد المسلمين" .
وظل المسلمون بجلاليبهم وكبتانيهم المختلفة ينظرون إليها بعيون مشدوهة وآلاف الأسئلة تدور في دواخلهم ، فوضع الورود علي القبور لم تعهده مناطق لاماجي بعد، فأنها قبور المسلمين وقبور المسلمين لا توضع عليها إلا الدعوات.

  
جميع الحقوق محفوظة 2008