للكاتب / الهادي محمد ادم
من مواليد مدينة انجمينا عام 1957
خرجت الفتاه من مخبأها وكانت
تلتفح بخرق أعياه الزمن ،فسلم عليها فردت عليه التحية في أدب
أهل القرى ، ثم اتجهت إلى كومة من العشب وأخرجت منها وعاء من
الفخار وعادت به مسرعة الى حيث كان المحبوب . وجلست على
ركبتيها في حياء ، وقدمته له ، وبدأ بالشرب قليلا قليلا ، وكان
يتوقف عن الشرب بعد كل جرعة لإزاحة الأعشاب من شفتيه ، وبعد أن
روى ظمئه ، أعاد الوعاء إليها وسألها :لماذا لم تقومي بتصفية
الماء من الأعشاب قبل تقديمه إلي ؟
فردت الفتاة لقد تعمدت وضع الأعشاب لأن العطش كان باديا على
شفتيك ، حتى أمنعك من الشرب بسرعة الظمآن فتصاب بمكروه يا سيدي
.
عجب المحبوب لذكاء الفتاة ، فطلب منها أخذه إلى منزل والدها .
فأمسكت بزمام الحصان وتقدمت حتى وصلا فرحب بها والدها وأحسن
ضيافته ،فنام في ذالك اليوم نوما هانئا . وفي الصباح طلب من أخ
الفتاه البحث عن خروف ليشتريه ، لكن الفتى عاجله بأن والده قد
قام يذبح خروف قبل أن يصحو وهو الآن في طريقه لسلخه وتجهيزه .
وبعد أن فعل الفتى ،طلب المحبوب استئصال الأعضاء الستة وأخذها
الى أخته لتفسير ما تعنيه .
عجب الفتى لأمر الضيف ، إلا أنه فعل ما طلب منه ، وكانت أخته
جالسة بالقرب من والدتها ، فوضع الطبق أمامها وقال : أن ضيفنا
يطلب منك تفسير ما تعنيه هذه الأعضاء .
نظرت الفتاه الى الأعضاء فابتسمت ابتسامة خفيفة لكنها لم ترد
على سؤاله . فألح عليها . وأخيرا أخذته من يده واتجهت الى غرفة
مجاورة وقالت :
ألا تستحي يا هذا ألا ترى أن والدتنا موجودة بالقرب منا ؟ اجلس
وسأخبرك بما ذا تعني فقامت بتصنيف الأعضاء الستة بما يلي :
العين والرجل معا
الأذن والقلب معا
المعدة والجهاز التناسلي .ثم التفتت لأخيها وقالت :اذهب وقل
لضيفك أن أختي تقول لك بأن :
أرجلك إذا لم تأخذك الى مكان ما ، لا يمكن أن ترى عينك ما لم
تره من قبل .
ولا يرتاح قلب الإنسان إذا لم تسمع أذنيه كلاما طيبا .
ولا يمكن أن يؤدي الجهاز التناسلي وظائفه كاملة إذا كانت بطن
الإنسان خاوية .
أسرع الصبي إلى المحبوب وأخبره بما دار بينه وبين أخته ففرح
وكاد يطير من الفرح فقد اهتدى أخيرا على ضالته التي بحث عنها
كثيرا حتى ظن الناس أنه معتوه .وسأل الفتى عن مكان والده
فأخبره أنه قد ذهب إلى سوق القرية ، فأنتظر المحبوب مجيئه
بفارغ الصبر وقبيل غروب الشمس عاد والد الفتاه على ظهر دابته
البيضاء فأسرع المحبوب وأمسك بزمام الدابة حتى نزل والد الفتاة
ثم قام بتقييدها في المكان المألوف ومدها بالعلف والماء .
كان ذالك ما تصنعه الفتاه مع والدها دائما ، لذا عجب والدها
لأمر المحبوب لكنه أدرك بأن في الأمر شيئا إلا أن المحبوب
بادره قائلا :لا تعجب والدي لقد انتظرت مجيئك طويلا ، فها أنت
قد عدت فهل لك ان تمنحني من وقتك قليلا حتى أحدثك في أمر في
غاية الأهمية بالنسبة إلي ؟
أومأ والد الفتاه برأسه مجيبا ،فجلس الاثنان على مقعد من الخشب
. وظل المحبوب صامتا لبرهة
وكأن عقدة حلت بلسانه ، فبادره والد الفتاة قائلا :
- نعم يا بنى ماذا حدث علك تريد تركنا ؟
- لا يا أبتي بل لي طلب عندكم .. هل لي أن أتشرف بمصاهرتكم ؟(قال
المحبوب).
صمت والد الفتاة برهة وقال : يا بني لقد مكثت بيننا أياما
التمسنا فيها أدبك وحسن أخلاقك ،حسبك من أسرة عريقة ،وبالرغم
من أنك غريب عنا ،ألا أنني لا أمانع من تزويجك من ابنتي وعليك
انتظار الرد غدا صباحا فإن وافقت هي لك زوجا ، أتممت أنا
الباقي.
كاد المحبوب أن يطير من الفرح ، ومرت تلك الليلة ثقيلة عليه
وفي الصباح جلس أمام الغرفة في انتظار والد الفتاة . وبعد
لحظات أقبل والد الفتاة وكانت تبدو على شفتيه ابتسامة شعر
المحبوب من خلالها بارتياح تام وبالرغم من ذالك لم يطمئن قلبه
إلا حين قال والد الفتاة :
لقد استشرت خطيبتك بالأمر فوافقت بك زوجا ،لذا لأمانع أنا في
تزويجك بها، لكن عليك أن تنتظر بداية العام المقبل حتى تبلغ
الحلم وبعد ذالك يتم الزواج .
طأطأ المحبوب برأسه وشرد بعقله قليلا في تفكير عميق ثم قال :
نعم يا أبتي سأنتظر مجئ العام المقبل ، لكن علي أن أرحل لأعود
إليكم في الموعد المحدد ، أشكرك كثيرا على ثقتك بي .فأرجو أن
أكون عند حسن ظنكم .
فأعقب والد الفتاة قائلا :
-ليكن في علمك يا بني بأنك إذا تأخرت يوما واحدا من الموعد
المحدد له يوم ظهور القمر من الشهر الأول من دخول العام الجديد
،فأنني سوف أزوجها من شخص غيرك ، لأني لا أستطيع ترك فتاة بلغت
الحلم في بيتي ، دون زوج .
وافق المحبوب على الشرط وعند منتصف النهار ،ودع خطيبته بعد أن
شكرهم على حسن الضيافة وشق طريقه في اتجاه قرية أخواله التي
كانت تبعد عن قرية خطيبته بمسيرة شهر ونصف ، وكان قد تبقى من
حلول العام الجديد ثلاثة أشهر ، وبضع أيام فقط ،وعليه أن يضع
ذلك في الحسبان حتى لا يفقد خطيبته التي اهتدى إليها بعد بحث
وعناء.
بسي المحبوب أمر إخوته ، إلا أنهم لم يكفوا عن البحث عنه ،فتوزعوا
في أرجاء المعمورة ،ولم يتركوا قرية
أو ركبا إلا وسألوا عنه .وكان دائما يدعو الله في صلواته بأن
يجمعه ووالدته وبين يديه طفل تغر به عينها ..
واصل المحبوب السير ليل نهار غير آبه بالمخاطر، وأخيرا وصل
قرية أخواله وما أن رأوه حتى فرحوا بلقائه ، واستقبلوه
استقبالا يليق بمكانته ،فأقاموا له الولائم والأفراح ما أنساه
كل معاناته ،إلا أنه قرر ألا يخبرهم بما حدث بينه وبين أخوته
خوفا من أن تنش حرب يكون هو الخاسر الوحيد فيها وبعد أن قضى
بينهم أيام قرر العودة حتى يصل في الموعد المحدد لزواجه ،فزودوه
بالهدايا والزاد ،وضربت الطبول لوداعه حتى اختفى عن الأنظار .
قطع المحبوب الطريق عائدا، وكان سيره ليل نهار كالعادة ،ووسط
ظلام الليل ،تعثر حصانه بحفرة على قارعة الطريق ، والتوى كاحله
فنزل من على ظهره ،وحزن عليه حزنا شديدا إلا أنه قرر مواصلة
السير قدما وبجانبه حصانه حتى لا يتأخر عن الموعد .
وقبل أن يصل بدأ الهلال في الظهور ، فيأس ولكنه قرر مواصلة
السير . وفي صباح اليوم التالي لظهور الهلال وصل الى مشارف
القرية ،ووجد امرأة عجوز تحتطب ، فسألها بعد أن سلم عليها ، ما
إذا لاحظت شيئا غريبا في بيت خطيبته ،فردت عليه
أنها كلفت لجمع الحطب لمناسبة زواج في ذلك المنزل، فبدأت
الدنيا وكأنها تهتز تحت أقدام المحبوب من هول المفاجأة ، فقد
تبددت كل آماله وأحلامه ،إلا أن عزيمته وتمسكه بإرادة الله
جعلت الغشاوة تنزاح من عينيه ، فأخرج ثوبان من كيس حصانه مطلب
من العجوز أن ترتدي أحداهما ، وان تأخذ الثاني الى والدة
الفتاة .
أسرعت العجوز بالثوب الى والدة الفتاة ، وما إن رأتها حتى صاحت
فيها :
-أين الحطب أيتها العجوز ؟ومن أين لكي بهذا الثوب الجديد؟
أسرعت العجوز باستخراج الثوب الآخر وقدمته لوالدة الفتاة .وما
إن فعلت حتى أدركت والدة الفتاة أن العريس الغائب قد حضر .
فأرسلت أبنها في طلب زوجها الذي كان جالسا بين ضيوفه في انتظار
وصول المأذون وشيخ القرية لعقد القران ،وما إن رأى والد الفتاة
أبنه مقبلا نحوه حتى أدرك الأمر وطلب من الحضور أن ينفضوا لأنه
عدل عن تزويج ابنته بابنهم فغضبوا وكالوا له الشتائم .
دخل المحبوب القرية وتم زواجه وسط جو من الفرح والسرور ، وضربت
الطبول ،وطرب الجميع لمدة أسبوع بأكمله ، وكانت مناسبة زواجه
فريدة من نوعها ،إذ لم تشهد القرية مثلها من قبل ، وأخيرا بعد
انتهاء الزواج قرر الإقامة بين أهل زوجته ولم يخبرهم بأمره
وبما دار بينه وبين أخوته .وبعد مضي أشهر من زواجه حبلت زوجته
، وكان مناه أن يرزقه الله ولدا يحمل أسمه من بعده .
وذات يوم عاد المحبوب من السوق بصحبة والد زوجته ليجد خمسة من
إخوته قد حلوا ضيوفا عنده ،فأحسن ضيافتهم ولم يبد تجاههم نوعا
من البغض ، وعند حلول الظلام أراد إخوته مغادرة القرية ، وكان
لزاما عليه أن يصحبهم خارجا لوداعهم حسب عادات أهل القرى ،وبعد
أن قطعوا مسافة وغابت القرية عن الأنظار ،استوقفه أكبرهم وقال
:
-لقد تعبنا كثيرا في البحث عنك ،وها أنت الآن بين أيدينا ،
وسوف نقضي عليك ونلقي بجثتك ليأكلها الطير .
فرد المحبوب :
-نعم لقد اصطحبتكم خارج القرية وكنت على علم بأنكم ستغدرون بي
،وأنا لا أخشى الموت الآن بعد أن تزوجت وتركت زوجتي حبلى ،وربما
رزقها الله ولدا يكون لها سندا ولوالدتي عونا. لكن لي طلب
عندكم أرجو أن تتركوني أذهب لأترك لها وصيتي ثم أعود فتفعلوا
بي ما تريدون.
ضحك أكبرهم وقال :
-أتظننا بلهاء يا هذا ..؟ أنتركك تذهب لوحدك بعد أن قضينا كل
هذا الوقت في البحث عنك ؟ أفصح بوصيتك إن أردت وسوف نرسل أحدنا
بهذا فإذا عاد ألينا قتلناك ومضينا لحالنا.
قيل المحبوب بالشرط وقال: إذا فليذهب رسولكم ليخبر زوجتي بأنكم
حملتم إلي خبر مرض والدتي ،وأنا ذاهب معكم وسأعود بعد أن أطمئن
عليها ،وعليها أن تحافظ على الثوب الجديد المحفوظ داخل الصندوق
. وأن تعطي الثوب القديم الموضوع خارج الصندوق لإخوتها ليفعلوا
به ما يشاءون ، وكذلك عليها أن توزع الحلوى والشاي على فتيات
القرية ،وأن تطلب منهن أن يرفعن أصواتهن بالغناء حتى أعود.
ضحك أخوته عليه في استهزاء ،وقال أحدهم :
-يغنون لموتك ؟
ذهب أحدهم بوصية المحبوب وأخبر زوجته بما أملاه عليه زوجها ،فطلبت
منه أن ينتظر حتى تأتيه بشيء يعطيه لزوجها ،فطمع في ذلك وانتظر
مجيئها . وبعد قليل حضرت في صحبة إخوتها وطبت منهم تقييده لان
زوجها في خطر.فقاموا بتقييده في الحال ووضعه داخل حظيرة
الأغنام . ثم أرسلت في طلب فتيات القرية ،ووزعت عليهن الحلوى
وطلبت منهن الغناء بصوت عال وبعد لحظات ارتفعت أصوات النسوة
بالغناء بينما أسرعت هي لتجهيز الشاي.
مكث أخوة المحبوب الأربعة طويلا في انتظار أخاهم لكنه لم يعد .وبدأ
غناء النسوة مسموعا وكأنهن على بعد خطوات منهم ،فقال أحدهم :
-أظن أن هذا المعتوه قد طرب لغناء النسوة ولم يرجع ياله من غبي
،اذهب يافلان وأتي به .
أسرع الثاني في طلب أخيه ،لكنه وقع في الأسر أيضا وقيد بالقرب
من أخيه . فظن الآخرون أن أخاهم الثاني قد طرب لغناء النسوة
ولم يعد هو الآخر .فلحق بهم الثالث ثم الرابع ،إلا أنهم وقعوا
في الأسر جميعا ولم يبق مع المحبوب سوى أكبرهم ،فقال المحبوب:
-يا أخي لقد تعبت كثيرا في البحث عن زوجتي هذه وقد فهمت هي
بذكائها الخارق وصيتي التي بعثتها إليها . فإن الثوب الجديد
الموضوع داخل الصندوق يعني الحمل الذي في بطنها،وعليها
المحافظة عليه . وأما الثوب القديم الموجود خارج الصندوق يعني
أخوكم الذي أرسلتموه بالوصية ،وعليها تسليمه لأخوتها ليفعلوا
به ما شاءوا .أما غناء النسوة فذلك ليوهمكم بأن أخاكم قد طرب
له ولم يعد،فأسلتم في طلبه واحدا بعد الآخر ،فوقعوا جميعا في
الأسر .والآن لا أظن انك تستطيع هزيمتي ،وعليك مبارزتي إذا شئت
. فصاح أخوه :
-يا لك من داهية ،لقد استطعت بدهائك ومكرك التغلب علينا جميعا
،فلا عجب إذا أختارك والدنا للسلطة .سامحنا يا أخي وسوف لن
يؤذيك أحدنا بعد اليوم ،أعاهدك .
رجع المحبوب الى القرية بصحبة أخاه الأكبر ،وأطلق سراح إخوته
بعد أن أخبر والد زوجته بكل ما دار بينه وبين إخوته ،وقرر
العودة الى بلده بعد أن عقد الصلح بينه وبينهم .وفي الصباح
غادر المحبوب القرية بصحبة زوجته وإخوته الخمسة وبعض أفراد
أسرة زوجته ،وفي الطريق وضعت زوجته مولودا ذكر أطلق عليه اسم (تورشين
)تيمنا بوالده.